mercredi 8 février 2012

حكايات عن الياسمين



يثير الحديث عن "ثورة الياسمين" في خاطري حكايا عالقة بذاكرتي عن علاقة والدي بالياسمين بعيدا عن اللغط الدائر بين مؤيد لربط الثورة بالياسمين ورافض لهذا "الكليشيي" الهادف إلى تعليب الثورة وتحويلها إلى منتوج سياحي. 
لكنني لا أستطيع الحديث عن حكاية والدي مع الياسمين دون أن أربطها بعلاقته بالبخور والعطور والطيب. فهو مولع بالروائح الفوّاحة إلى درجة الإدمان المرضي. لا يخرج إلى عمله في منجم الفسفاط قبل أن يرمي حفنة من البخور في الكانون ويقف فاتحا ساقيه، مفضفضا جنبات جمّازته كي يفسح المجال لدخان البخور حتى يتسرّب إلى ملابسه الداخلية ويخرج من رقبة تبّانه التي تغدو كفوهة مدفئة الحطب. وهو في ذلك لا يعبأ بمن في الغرفة ممّن يعوقهم الدخّان الكثيف عن التنفس. و"سيدي" من أولئك الذين يتملّكهم الصّرع لمّا يشمّون رائحة الجاوي (نوع من البخور المستورد من جزيرة جاوة بأندونيسيا) فيفاجأ من حوله بالقفز صارخا "أبَبْ بَبْ بَبْ بَبْ بَبْ بَبْ" والشرر يتطاير من عينيه والرّغوة البيضاء على شفتيه، كما لو كان درويشا من أحباب اللّه الذين يخاطبون الجن ويتحكّمون فيه. تلك علامة انتشاءه برائحة الجاوي الذي يدخله في غيبوبة تامّة عمّا حوله. وقد يصيب أحيانا بعض القريبين منه بركلة طائشة أثناء قفزه ونطّه... زجاجة العطر التي تدوم لدى الآخرين شهورا تنفذ لديه في ظرف أسبوع... يتعطّر منها عدّة مرات في اليوم ويرشها على كبّوسه وفراشه ووسادته وفي جوربيه وحذائه، حتى تسيطر رائحتها على المكان وتغزو أنوف الحاضرين مذكّرة إيّاهم بأنّهم في فضائه... فالعطر لديه علامة يرسم بها حدود مجاله الحيوي، على طريقة بعض الحيوانات في بسط نفوذها على المكان. أمّا إذا ما أراد تكريمك بتعطيرك، فيتحوّل الأمر من حركة ودّية إلى اكتساح وغزو حقيقيين تماما ككرم البدو الفاحش.
أمّا عن الياسمين، فمن معضلات "سيدي" التي لم يجد لها حلاّ، أنّه لم ينجح أبدا في إنبات ياسمينة ببستان بيتنا رغم محاولاته المتكرّرة، حاله في ذلك كالعاشق الذي يشقى في ترويض حبيبة متمنّعة دون أن ييئس. كم مرّة حاولت وإخوتي إقناعه دون جدوى أنّ مبالغاته في العناية بشتلة الياسمين هي سبب الفشل. ورغم ما يبديه من اقتناع بحججنا، إلاّ أنّه في كل مرّة ينساق نحو الإفراط في العناية بالشجرة الطرية، فيغدق عليها الماء والسماد من روث البهائم ويغطّيها بالكرتون خوفا عليها من لفحات الشهيلي ويشدّ أطراف أعرافها الغضة إلى خيوط معدنية يمدها لمساعدتها على التمدّد قبل الأوان. وفي أثناء ذلك تجده يتفحّص عودها وأوراقها بيديه فتذبل ثم تموت... وينتهي في كل مرّة حانقا ومغتاظا، متّهما إيانا بالاقتراب من ياسمينته في غفلة منه... كان يريد أن يستقلّ بياسمينته الخاصة للتحرّر من صلف جارنا "حمّة خبيش" الذي كان يمنّ عليه كلّ عشيّة بإهدائه مشموما. ولأنّه لم يستثمر في صنع ذلك المشموم جهدا، فإنّه لا يتحمّس له كثيرا ويفضّل التنازل عنه لأوّل من يقدّر أنّه لا يستخفّ بالياسمين. وبدلا عن ذلك كان يفضّل أن يذهب كلّ يوم في آخر القيلولة إلى الفيلاج حيث حدائق المهندسين ليقطف ما أمكن من براعم الياسمين ويصطحب معه بعضا من سعف النخيل يجرحها بالإبرة حتى يحوّلها إلى جذوع للمشاميم. ثم ينطلق في تطريز أعواد السعفة بالزهرات البيضاء حتى تستوي مشموما أنيقا. ولا يتحرّك نسيم الأصيل ويلطف الجو إلاّ وقد فرغ من تطريز ثلاثة مشاميم أو أربعة. فتغمره السعادة وتفيض على وجهه علامات النخوة والرضى. وبحركة أقرب ما تكون إلى الطقوس البوذية يريد من خلالها إبراز قيمة هديته يناولنا نحن أبناءه الأربعة مشموما مشموما. ويا ويل من لا يبدي له من الامتنان والاحتفاء بهديته ما يليق بقدرها. فذلك معناه أنّه دابّة بكماء لا تفقه في رفعة الذّوق ورهافة الحس. ولمّا تعاتبه المرحومة الفاقدة لحاسة الشم على مبالغاته وقسوة أحكامه في مسألة غير هامة، يرنو إليها مشفقا عليها من عاهة الحرمان من نعمة الشم ويكتم غيضه ممتنعا عن إجابتها. وفي كلّ مرّة يهدي مشموما لضيف يلقّنه درسا في كيفية التعامل معه. فليس من اللائق تشمّم الزهرة بغرس الأنف فيها، لأنّ ذلك يصيبها بالحمرة ويخنق عبقها. كما لا يجوز استعجال تفتّح البراعم، لأنّ الياسمين لا يتفتّح  إلاّ "عندما يأتي المساء ونجوم الليل تنثر"...  
لّما يزورني بتونس، يحرص على عدم التخلّف عن حصة المشي اليومية، ليس فقط لانضباطه العسكري فيما يتعلّق بمقاومة مرض السّكّري، بل وكذلك لأنّها فرصة للمرور بأنهج تعبق برائحة الياسمين. قال لي مرّة بعدما فرغ من حصة المشي وعاد إلى المنزل محشوّ الجيب ببراعم الياسمين: "ليس هناك أكرم من الياسمين وما أكثر منه فضلا على التوانسة... يزرع الناس أشجار الياسمين محاذية لأسوار حدائقهم، حتى يضربوا عصفورين بحجر واحد. أوّلهما المساهمة في تزيين النهج وتعطيره. وثانيهما جعل الأزهار في متناول أبناء الفقراء ممّن اتّخذوا من بيع الياسمين مصدر رزق. فالشجرة ولود ومعطاء تعوّض كلّ يوم ما يقطف منها في اليوم السابق ولا خوف على أزهارها من النفاذ. فلا شيء يضير أصحاب المنازل من أن يقطف الأطفال زهر الياسمين لتحويله إلى مشاميم يبيعونها ليجمعوا ما يساعدهم على العودة المدرسية في نهاية الصيف... وفي الحالتين يربح الناس رحمة الوالدين... كانت ثورتنا ستكون جديرة بلقب "ثورة الياسمين"، لو كان محمّد البوعزيزي بائع ياسمين... أمّا وقد كان مشعلها بائع موز، فليس غريبا أن تكون ثورة زلاّقة، تراوغ الجميع وتتركهم في التسلّل..."




جلال الرويسي
المعهد العالي للتوثيق
08 فيفري 2012