jeudi 14 juin 2012

تسريب الباكالوريا: أو كيف ضاعت مصداقية الشهادة بين دموع السيد الوزير وشكر مكوّنات الأسرة التربوية

من مبادئ الديمقراطية في الدول الرّائدة والعريقة في ممارسة هذه النعمة الحضارية، التي صنعتها الشعوب عبر مخاض فكري واجتماعي طويل، أن يتمّ توزيع المسؤوليات بشكل محايد ومؤسّساتي عند الفشل وعند النجاح بعيدا عن الشخصنة والتوظيف السياسي. ومن علامات ذلك أن يستقيل كل وزير يحصل في وزارته خطأ جسيم. فالوزير باعتباره مسئولا حكوميا يتحمّل المسؤولية السياسية من خلال الاستقالة. أمّا الدّولة فتتحمّل عبر أجهزتها (الإدارة) المسؤولية الإدارية من خلال التزامها باتّخاذ الإجراءات الكفيلة بتصحيح الوضع وجبر الأضرار. فيما يتحمّل الموظّف المذنب المسؤولية الجزائية بالخضوع للتتبّعات القانونية التي قد تصل إلى السّجن. هذا هو معنى دولة القانون والمؤسّسات وهكذا تعالج الأخطاء في الأنظمة الديمقراطية. وهذا معناه أن يتحمّل كل طرف نتائج أخطائه في حدود صفته ومسؤوليته في إطار القانون بعيدا عن اللغة الخشبية والخطب الوعظية والمزايدة في حب الوطن. وإذا كان من المنطقي أن يسعى كل مسؤول سياسي للوصول إلى قلوب الناس، فليكن ذلك عن طريق مخاطبة العقول لا بواسطة ذرف الدّموع.
نسوق هذا الكلام كمقدّمة للتعليق على الأداء الاتصالي للسيد عبد اللطيف عبيد وزير التربية في علاقة بتسريب اختبارات الباكالوريا لهذه السنة، والاتّصال جزء أساسي من إدارة هذه الأزمة. فمن خلال تحليل خطاب السيد الوزير، تسترعي انتباهنا سيطرة تعابير معيّنة على قاموسه من نوع "فلذات أكبادنا" و"مصداقية الشهادات والامتحانات الوطنية" و"المربّبين الأفاضل" و"الأسرة التربوية". بل أنّ الحسّ السياسوي المتضخّم لديه يجعله يدوس القواعد الأساسية للبلاغة (وهو الأستاذ الباحث في اللغة) ويدفعه إلى إمطار مشاهدي التلفزة بقائمة لا نهاية لها يستعرض فيها مكوّنات الأسرة التربوية رغم أنّه في بداية كلامه قال "أتوجّه بالشكر إلى كافّة مكوّنات الأسرة التربوية". بل إنّه في استضافة تلفزية موالية أعاد نفس الخطأ البلاغي بشكر مكوّنات الأسرة التربوية بالجمع المطلق ثم بالتفصيل المملّ قبل أن يصرّ على الاعتذار للسّادة الأطباء والممرّضين الذين سها عن ذكرهم في القائمة التفصيلية عند إطلالته التلفزية السابقة. وإذا كانت القوالب الجاهزة التي تطغى على لغة السيد الوزير وحرصه على الفصحى بإعراب كلّ كلمة قد جعلته أشبه ما يكون بوزير سبعنوفمبري، فإنّ إصراره على التفصيل ذكّرني بعمّتي عندما كنت أهاتفها من فرنسا فتقول لي "الجماعة الكل مسلّمين عليك، وهاو عمّك يحب يسلّم عليك ثم تمرّر لي بعد ذلك زوجته ثم ابنيها فابنتها وزوجة ابنها ثمّ زوجها ودوجة حتّى تنقطع المكالمة لنفاذ الرّصيد... وكنت في كل مرّة أحنق عليها لا لنفاذ الرصيد ف"المال يمشي والرجال تجيبو"، ولكن لاستهتارها بقواعد البلاغة وعدم إيمانها بقدرة عبارة "الجماعة الكل" على أداء المعنى. فلا فرق بين سياسة عمّتي في حجز هديّتها وتأمين هدايا أسرتها لدى عودتي من فرنسا وسياسة السيد وزير التربية في تنقية المناخ داخل وزارته باستبلاه المشاهدين كما استبلهتني عمّتي. فقد دفعتني عمّتي إلى معاقبتها بحرمانها من "قصّة القماش" وأخشى أن يعاقب النظارة (وهم ناخبون) الوزير بإهدائه "قصّة عربي" في الانتخابات القادمة.   
أمّا عن مصداقية الشهادة، فقد صرّح الوزير أنّ وزارته، حرصا منها على هذه المصداقية المعترف بها دوليا، قرّرت إعادة الاختبار المعني بالتسريب وكذلك تغيير مواضيع اختباري التاريخ والجغرافيا التي تحوم شكوك حول تسريبها هي الأخرى (وقد أكّد التسريب في إطلالته الثانية). ويضيف في إطار تنسيب ما حصل، أنّ ما وقع وإن كان شيئا مؤسفا، إلاّ أنّه لا يحدث للمرّة الأولى في بلادنا ولا حتّى في العالم. وهنا، نودّ أن نذكّر السيّد الوزير أنّ مصداقية الشهادة تتجاوز بكثير مصداقية الامتحان. حيث أنّها حاصل عدّة مؤشّرات متداخلة ليس الامتحان ومصداقيته سوى عنصر منها. حيث يدخل في الاعتبار جودة برامج التدريس ومناهجه وجودة إطار التدريس ونسبة التأطير والزمن المدرسي والمرافق المدرسية والحياة المدرسية. لذلك، فمن الأفضل أن نعتبر ما حصل بمثابة النقطة التي تفيض الكأس ونعجّل بالإصلاح الجذري للمنظومة التعليمية. إنّ مصداقية شهاداتنا لا تتأسّس بتصريحات الطمأنة وغرس الرّأس في الرّمل. فهي للأسف قد نزلت إلى أدنى المستويات من قبل 14 جانفي لأسباب كثيرة أغلبها معلوم لدى التونسيين. وحتّى يقف على مدى تراجع مصداقية شهاداتنا، ما على السيد الوزير إلاّ أن يقارن شروط القبول وإجراءات التسجيل بالجامعات الأوروبية في السابق واليوم. ولا يهمّ أن يفعل ذلك قبل تقديم استقالته أو بعده، فتوقيت الاستقالة لا يغيّر من مصداقية الشهادة.
جلال الرويسي- جامعة منّوبة