lundi 10 décembre 2012

من يوميات الإضراب العام...

الأحد 09 ديسمبر 2012... استجابة لدعوة الجامعة العامّة للتعليم العالي والبحث العلمي منظوريها ومناضليها إلى المشاركة في حراسة مقرّ الاتحاد والمساهمة في ترتيبات إنجاح الإضراب العام الذي دعا إليه اتحادنا العام التونسي للشغل يوم الخميس 13 ديسمبر 2012، قرّرت الحضور ببطحاء محمّد علي بالعاصمة حيث مقر الاتحاد وذلك طوال عشية يوم الأحد وليلته. لمّا وصلت البطحاء كان عادل بوعلاّق وأعضاء مجموعته الموسيقية يجمعون آلاتهم وقد فرغوا من آداء بعض الأغاني الملتزمة. لكنّ المصدح ظلّ يبث أغان مسجّلة للشيخ إمام. وقفت في رأس النهج، أطلّ على البطحاء قبل أن ألتحق بإحدى الحلقات. كان النقابيون متناثرين في البطحاء مجموعات مجموعات يتناقشون حول غياب مؤشّرات انفراج للأزمة ومصرّين على مطلب حل "رابطات حماية الثورة". بعض الوجوه المألوفة صارت عنصرا ثابتا من مكوّنات البطحاء كعامود الكهرباء أو زيتونة الحديقة الصغيرة. فمن لا يعرف الغزال أو الدبك ؟ أذهلتني طلاقة لسان بوّاب الاتحاد في اللغة الفرنسية. وأحسست بحماقتي لأنّني كنت أجهل ثقافة ذلك الشيخ الأدرد إلاّ من سنّ طويلة ظلّت منتصبة وناتئة عن شفتيه كسيف في غمده. قبّلت صاحب النظّارة الطبية ذات البلّور الخشن والشاشية الطريفة من جبينه معبّرا له عن تقديري لثقافته وخفّة روحه. مجنون شاب يبدو أنّه اكتشف سحر البطحاء حديثا، فراح يتحرّك فيها بحرية وأمان ينبآن بأنّه سيقيم بقية حياته في هذه البطحاء الدافئة بالنضال والتضامن. وما الذي يمكن أن ينشده مجنون أكثر من هذا؟ بعض وجوه أخرى غير مألوفة جاءت تعبّر عن مساندتها للاتحاد واستعدادها للمساعدة. فنّانة تشكيلية تجاوزت الخمسين، رقيقة وأنيقة وذات ذوق رفيع، جاءت بمفردها تعبّر عن تضامنها مع الاتحاد ضدّ اعتداءات اكتفت بالقول أنّهم كتشكيليين قد خبروها وأنّها بحدس المرأة والفنّانة تخشى الأسوأ... شيخ نقابي يساري أدرك الحكمة بعقله وتجربته ولكنّ السنين لم تنل من شباب دمه المتدفق في عروقه، تجمّع حوله بعض النقابيين الملتفين في برانيسهم اللولبية وراحوا ينصتون لذكرياته عن الحبيب عاشور والإضراب العام ل26 جانفي 1978... مدير مدرسة عليا للمحاسبة جاء مرتديا دجينس وحذاء رياضيا، وجد نفسه بكل عفوية جالسا يتناقش ويمزح مع خليط رائع من عاملات كأنّه يعرفهنّ من سنين. عاملات منهن من لا تزال شابة ومنهن من شارفت على التقاعد، جئن معا إلى البطحاء مباشرة إثر حصّة العمل بمعمل نسيج يقع في ضواحي العاصمة ... جامعيون نقابيون جاؤوا من القيروان وجندوبة يدعون الكاتب العام لجامعة التعليم العالي إلى احتساء قهوة بمقهى قوس باب البحر المجاور هربا من برد البطحاء القاسي. شاكس سامي العوّادي الكاتب العام قائلا له "احذرهم يا حسين، سينفردون بك لخنق نفسك بالمطالب القطاعية التي لا تنتهي". ردّ حسين بأنّ ذلك أفضل من هذا البرد خصوصا وأنّهم قرّروا تأجيل إيقاد ما جمعوه من حطب نارا يتحلّقون حولها متسامرين إلى الهزيع الأخير من الليل. سامي يستعجلني لمصاحبته إلى مكان عمومي يتوفّر على تلفزة كي نتابع مشاركة الأمين العام في برنامج "الأحد السياسي" على قناة نسمة. شباب طالبي من أبناء أعضاء المكتب التنفيذي يعالجون أجهزة الحاسوب معتذرين لنا نحن أعضاء لجنة الإعلام على ضعف سعة التدفّق. توغّلنا في الليل دون أن ننتبه، حتّى اقترح سفيان وخالد أن نتمشّى بحثا عن مقهى مفتوح... عندما عدنا من ساحة الباساج أين أكلنا بيضا مسلوقا ساخنا وخبزا بالهريسة، كان مكتب الأمين العام لا يزال مضاء من خلف الستائر، ولكن الحركة داخله ساكنة. آوينا إلى قاعة أحمد التليلي مقرّ لجنة اإعلام، حيث كان بعض الشباب الممدّدين على الطاولات حذو الحواسيب يعزفون سمفونية الشخير. لكنّ شابا منهم أفاق لتوّه متبرّعا بمكانه لسامي. شكره سامي والتفت إليّ قائلا بفخر "ذلك الفرخ était mon étudiant"... أثّثنا ما تبقّى من السهرة بالحديث عن تاريخ العمل النقابي بالجامعة التونسية، إلى حين سماعنا آذان الفجر. قال لي خالد، خذني معك إلى الكلية ما دمت ذاهبا إلى منّوبة. وطوال الطريق ظلّ يحدّثني كي أبقى مستيقظا ولا يأخذني النوم وأنا أمام المقود...
جلال الرويسيي 10 ديسمبر 2012