mardi 11 décembre 2012

أبغض الحلال عند الاتحاد الإضراب العام

لأنّ التونسي مسالم بطبعه حتّى غدا محل تندّر لدى بعض أشقائه، فإنّ ما يطغى على أحاديث الناس في علاقة بالإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل يوم الخميس 13 ديسمبر هو السؤال التالي: "هل ثمّة بوادر لانفراج الأزمة؟ هل تحلحل ولو قليلا هذا الوضع الجاثم على صدورهم كالجبل؟" ورغم أنّني مع التمسّك بالإضراب العام ما لم تتبرّأ النهضة من "رابطات حماية الثورة" وما لم تدع هي نفسها إلى حلّها ومحاسبة عناصرها المعتدين على الاتحاد، إلاّ أنّني لا أستطيع تجاهل خوف الناس من الإضراب العام ودعائهم صباحا مساء، إن في السر أو العلن، أن لا يتمّ درءا لما هو أخطر. وهذا في حدّ ذاته محمود لأنّه ينمّ عن سلمية التونسي ولكنّه يصير مرضيا عندما يتحوّل من طبع مسالم إلى روح جبانة تقبل بالخنوع. فمشكل التونسي أنّه يريدها كالعادة خبزة باردة تنزل عليه هديّة من السماء. يبدو التونسي اليوم كطفل ينتظر معجزة (وفي هذا شيء من طبيعة الشخصية التونسية الأصلية)، إذ كلّ ما يعرفه أنّه يريد الأمن والأمان والشغل والتنمية والعدالة والكرامة والحرية. ولكنه لا يقدّم شيئا يذكر مقابل ذلك. فهو لا يتقن الإنصات ولا يصبر عليه. وهو دعيّ ممتلئ بذاته حدّ التورّم السرطاني، لا فضول فكري لديه ولا ميول، ولااستعداد للتضحية أو التنازل. وهو إلى ذلك كسول الفكر رخو العضلات، ميّال إلى الرّاحة، ينبذ العمل ويمجّد النّوم... يصحّ نعته بالمثل الفرنسي "يحبّ القشطة وثمن القشطة وابتسامة بائعة القشطة"... هذا هو السبب في كونه دائما ينتظر معجزة تخرجه من ورطته.  
يقول شيخ النهضويين أنّ حلّ "رابطات حماية الثورة" مسألة قضائية ولا سلطان للحكومة فيها. ولئن كان ذلك صحيحا، إلاّ أنّ الشيخ يقوله فقط من باب التسويق الإعلامي لا غير. أمّا جوهر موقفه فيتجلّى حينما يقول أنّ هذه الرّابطات ضمير الثورة ودرعها ضدّ أزلام النظام السابق الذين هم رأس رمح الثورة المضادة.
ففيما يتعلّق بالجانب القضائي، نحن نعلم أيها الشيخ أنّ حلّ الجمعيات من مشمولات القضاء وحده. ولكنّه من الأقلّ كلفة للمجتمع أن يحلّ القضاء جمعية مستقلّة بدل أن يحلّ جمعية الغالبية السوداء من جلّ عناصرها تنتمي للحزب الحاكم وجلّ مواقفها وتحرّكاتها هي تنفيذ للخطاب المعلن لحزب النهضة.
ثمّ إنّه من الأئمن للمجتمع أن تحلّ الرابطات بعد فكّ ارتباطها السياسي والعضوي بحزب النهضة. عندها، سيصبح الحل القضائي آلية عادية وميسورة. أمّا أن تتمسّك النهضة بهذه الرابطات التي تتعسكر كل يوم أكثر وتدعو مناضليها إلى الانخراط فيها وإمساك مقاليدها ثمّ تدعو مناوئيها إلى التظلّم لدى القضاء فهذا ضرب لمدنية الدّولة ودفع باتجاه الأزمة وقطع الطريق على الاتحاد للتراجع عن الإضراب العام... المطلوب اليوم هو موقف سياسي واضح وصريح من "رابطات حماية الثورة" يصدر عن حزب النهضة. وفي مقابل ذلك موقف التزام واضح من الحكومة بحماية مؤسسات المجتمع المدني وتطبيق القانون على من يمارس العنف، حتّى يستطيع القضاء أن يعمل باستقلال بعيدا عن الضغوط السياسية. فالاتحاد قد أبدى من التنازلات والصبر والمرونة ما يكفي ولكنّ النهضة من خلال هذه الرابطات فهمت خطا صبر الاتحاد، فاعتبرته ضعفا شجّعها على استعجال نهايته بالضربة القاضية. وهذا ما لا يستطيع الاتحاد بثقله التاريخي الوطني وبزخمه النضالي الاجتماعي وبقاعدته العمالية العريضة السكوت عليه... إنّ أبغض الحلال عند الاتحاد الإضراب العام.
جلال الرويسيي 11 ديسمبر 2012