dimanche 1 septembre 2013

ديقاج

كلّ ليلة ومباشرة بعد الإفطار، يرتفع صوت "مرزق" الطّفل المدلّل للحي مناديا "يا عزييوووز". ويظل يكرّرها بإصرار حتّى يلتحق به عزيز وبقية الأولاد لتنطلق "تكويرة" رمضان في البطحاء متّخذين من الأبواب الحديدية للحوانيت المقفلة مرميين، بحيث تكون قرقعة الحديد عند ارتطام الكرة بها دليل إثبات الهدف من عدمه.... وبدل أن أنهر مرزق ورفاقه لكفّ ضجيجهم كما يفعل كثير من الجيران الحريصين على متابعة تفاهات التلفزيون من كاميرا خفية ومسلسلات رمضانية في شققهم ذات النوافذ المشرعة طلبا لقدر من الهواء، أفضّل أن أتسلّى بمتابعة المقابلة من نافذتي بالطابق الثالث في انتظار نشرة أنباء الثامنة.
لا وقت محدّد للمقابلة، فهي تنتهي عندما يعلن أحد الفريقين انسحابه. للملعب شكل خريطة فلسطين، ترسم حدوده زوايا الحوانيت وبركة الماء الآسنة في موقع البحر الميت من الخريطة والشجرة المظلّلة لكشك "14 جانفي" المنتصب في قلب البطحاء من جهة القدس والسيّارات المتناثرة في غير نظام كالمستوطنات، بحيث لا وجود لخطوط تماس ولا زوايا ولا شيء من هندسة الملاعب. يجري اللاعبون حيثما تجري الكرة، فينطّون فوق بركة الماء ويغرقون في أوحالها أحيانا ويزحفون تحت السيارات ويلفّون حول الشجرة ويغيبون عن الأنظار يمينا ليطلّوا من اليسار. يصيح عزيز على مرزق "سيّب الكورة يا بهيياااام"، فيطأطأ مرزق رأسه ويرفع يده آسفا ومعتذرا على طريقة النجوم الكبار. ولكنّه يكرّر فعلته في احتكار الكرة رغم تواضع أمكانياته الفنّية. واضح أنّه يريد إبهاري باللقطة اليتيمة التي يتقنها، فتراه يؤتيها في إطارها وفي غير إطارها مثيرا ضحكي الذي يؤوّله إعجابا بمهاراته... يسقط مرزق مبالغا في تصنّع الألم بعد اصطدامه بنادر... ويمرّ وقت ليس بالهيّن قبل أن يقوم المصاب وهو يعرج بعدما يتظاهر أصحابه بإسعافه. ثمّ تندلع نقاشات لا تنتهي على وجود ضربة جزاء أم لا. وبعد أن يقترح مرزق تحكيمي ويرفع الجميع رؤوسهم إلى السماء متلهّفين إلى سماع رأيي، أحسم الأمر بإيماءة رأسية لفائدة مرزق. لكنّ النقاشات الحامية تتجدّد هذه المرّة على مسافة التنفيذ ثمّ على من سينفّذ ليستأثر في النهاية محمّد البطّي بالكرة ويفرض سلطانه على البقية معتمدا على تفوّقه البدني. ومن شرفتي أتدخّل هذه المرّة بصفتي مدرّبا لا حكما لأناصر مرزق باعتباره مصدر ضربة الجزاء وآمر البطّي بالتنحّي. يتّهمني البطّي بالانحياز لمرزق ولكّنه يذعن لقراري. واستعدادا للتنفيذ، يتأخّر مرزق مسافة  عشرات عشرات الأمتار بما لا يتناسب مع الوضع ثمّ يأتي مسرعا بأقصى ما يستطيع ليسدّد قذفة ضعيفة وبعيدة عن المرمى. يرفع البطّي رأسه باتجاهي معاتبا ويلوّح بيده غاضبا على مرزق صارخا في وجهه "يا بهيياااام". لكنّ مرزق الذي يغطّي وجهه بكفّيه أسفا على إهدار الفرصة، يردّ فيسبّ أمّ "البطّي" ثمّ يوجّه له لكمة على وجهه رغم عدم التكافؤ البدني الواضح بينهما. يتوزّع سمعي بين صراخ مرزق ورفاقه في الخارج وصراخ الرّئيس المؤقّت في نشرة الأخبار التلفزية. تشتعل المعركة ويلجأ المتخاصمان إلى التراشق بالحجر بينما يتراشق المحتجّون على الحكومة وخصومهم بالتهم في التلفزيون. لابدّ من إبعاد السيّارة المركونة أمام العمارة غير بعيد عن البطحاء حتّى لا يصيبها حجر...
وفي المسافة الفاصلة بين الطابق الثالث والأرضي يتصالح مرزق والبطّي وتستأنف المقابلة. أبعد السيّارة تحسّبا لنشوب معركة جديدة. فيصيح مرزق باتجاهي "ديقاذ" ويتبعه رفاقه ضاحكين منّي... أصعد درجات الطوابق جريا لألحق بالأخبار فأجد معتصمي الرّحيل أمام المجلس التأسيسي يردّدون بدورهم "ديقاج، ديقاج"