mardi 10 septembre 2013

الحبس في غرفة القبو

قصّة للكبار الذين لا يزال الطفل حيّا فيهم...

طلّقت "ماما" "بابا" لأسباب عجزت عن إقناعنا بها أنا وأختي حتى قالت لنا ذات يوم "ستفهمان ماما ذات يوم عندما تكبران" ثمّ تزوّجت رجلا محبّا للثقافة والفن. ومنذ البداية أبدى زوجها هذا حرصا كبيرا على اصطحابنا إلى المتاحف والمواقع الأثرية والعروض الفنية والمهرجانات. وقد نجح بإصراره على ذلك في استمالتنا وحيازة صداقتنا، دون أن يصل بنا الأمر حدّ محبّته، لأنّه ظلّ ذلك الرّجل البرّاني الذي افتكّ مكان أبي في الأسرة، مثلما كانت عمّتي تذكره بحقد. هذا بالإضافة إلى أنّه كان يبدو لنا رجلا مبالغا في الجدّية. فلا شيء في نظره مجاني أو اعتباطي. تراه طوال الوقت يردّد أنّه على كل شخص أن يتحمّل مسؤولية أقواله وأفعاله. إذ لا يمكنك مثلا أن تطلب قهوة بالحليب ثمّ تغيّر رأيك لتطلب حليبا فقط بعد أن تكون ماما قد سكبت القهوة في كأسك. وليس من حقّك أن تفتح باب الثلاّجة بدافع الفضول كلّما دخلت المطبخ. وهو لا يحبّ أن يسأل عمّن كان يحادثه في الهاتف. يسهب في تفسير كل شيء حتّى ينفخ رأسينا أنا وأختي بمواعظه وتفاسيره العلمية عن التغذية السليمة وفوائد الرّياضة وآداب المائدة والتصرّف الحضاري والحفاظ على البيئة، فيضطرّنا إلى التظاهر بالإنصات إليه بينما العقل شارد، وهو ما يثير حنقه كلّما اكتشف شرودنا. لذلك كثيرا ما نشعر تجاهه بالنفور. بل قد صادف عديد المرّات أن تساءلنا أنا وأختي إن كنّا نكرهه أصلا، دون أن نحسم الجواب. سامحني يا رب، إنّها الحقيقة التي طالما حذّرتنا ماما من كونها تغضبك، ولكنّني أعرف أنّه لا يخفى عليك خاف وأنّك تحبّ الصّراحة.
هو نفور يصل أحيانا إلى الجفاء ولكنّه لم يصل إلى حدّ كره هذا الرّجل الذي أدخلته ماما في حياتنا. فللرّجل من الصفات ما جعلنا متعلّقتين به. أوّلها أنّه كان يبادر إلى مصالحتنا بعد كلّ مشاكسة أو عقوبة. أذكر أيضا قدرته على مخاطبة كلّ شيء ممّا يحيط به. فهو ليس فقط يجعل الحيوانات تنطق، بل يحادث النباتات ويداعبها فتمتدّ أعناقها وتستقيم سيقانها وتتفتّح براعمها، ويتكلّم مع الأثاث والملابس، فيخاطب فردة حذائه وهو يبحث عنها تحت السّرير "أين أنت أيتها الحمقاء اللّعينة؟" أو يتوسّل لضرسه أن تكفّ عن إيلامه. وهو إلى ذلك يتقن تقليد أصوات الحيوانات ويتحدّث باسمها بلسان فصيح كما في الكتب ومع ذلك فنحن نفهم كلّ ما يقوله. كما أنّه ماهر في الألعاب السحرية بالكرات الملوّنة والمناديل يدخل الواحد منها في جيب سترته ليخرج أضعافه من فمه، أو يحرّك ظلال أصابعه على الجدران فتتحوّل إلى رؤوس حيوانات وعصافير تنبض بالحياة. وهو يحبّ الرقص ويتقنه ويحثّنا على الغناء مشدّدا على احترام الإيقاع والطبقة الصّوتية... صفاته هذه أنستنا أنّه رجل برّاني ففتحنا له قلوبنا وصادقناه حتّى صار يقول لنا أنّ الأطفال الآخرين يحسدوننا لأنّ لنا أبوين بينما ليس لهم إلاّ أب واحد.
لكنّ ما نكرهه في هذا الرّجل هو صرامته التي تحوّله أحيانا من شخص مرح إلى كائن وحشي قاس. فهو لا يتراجع أبدا في عقوبة هدّد بها وأعلنها. كما يمقت التلفزيون ويمنعنا من متابعة برامجه رغم وساطات ماما. يلزمنا بالنوم بغرفتنا محجّرا علينا أن ننام معه إلى جانب ماما في غرفتهما. فمنذ تزوّج ماما صار يجبرنا على أن نأوي إلى الفراش في وقت مضبوط ويروي لنا حكاية خيالية مجتهدا في تقليد أصوات شخصياتها وحركاتها حتّى يأخذنا النّوم. لكن، الحق الحق، أنّ يده ما امتدّت يوما على واحدة منّا. قد يصرخ ويرعد ويزبد ويعزلنا في غرفتنا لكنّه لا يضربنا أبدا. أقصى وأقسى ما يفعله لمّا يبلغ به الغضب ذروته هو أن يحبس المذنب في غرفة القبو.
توجد هذه الغرفة التي اتّخذ منها زوج ماما مخزنا لأشيائه المهملة في حديقة المنزل. وهي غرفة صغيرة ورطبة، واطئة السّقف، منخفضة عن مستوى الأرض بما يزيد عن المتر ولا نوافذ لها. كانت المرّة الأولى التي حبست فيها بغرفة القبو ذات قيلولة قائظة من العطلة الصيفية، وكان سبب العقوبة أنّني لم أخلد إلى النّوم وظللت أحدث الهرج وأمنع البقية من الرّاحة، حتّى نفذ صبر زوج ماما فأمسكني من معصمي وجرّني خلفه عابرا الحديقة تحت شمس تثقب الرّأس، غير عابئ بصراخي وتوسّلاتي. ولمّا وصلنا أمام الغرفة الواطئة نزل بي ثلاثة أدراج وفكّ السلسلة الحديدية الضخمة التي تشدّ بابا نهشته الشقوق كوجه عجوز غمرته الأخاديد، ثم فتحه بعنف محدثا صريرا حادا ودفع بي في جوف الغرفة الظلماء ثمّ قال قبل أن يغلق الباب وينصرف: "هنا، يمكنك أن تمارسي حقّك في الصّراخ والتهريج بكلّ حرّية". ورغم رائحة الرطوبة المسيطرة على المكان وخيوط العنكبوت التي دغدغت وجهي إلاّ أنّني أحسست فورا بالأنس، ربّما نتيجة ما وجدته من برودة وسكينة بعد ما كنت فيه من قيظ وصراخ. وأخذ ارتياحي يزداد كلّما تعوّدت عيناي على العتمة حتّى صرت قادرة على التعرّف على الموجودات معتمدة على ما يتسرّب عبر شقوق الباب الصدئ من نور شحيح. كانت هناك بعض أدوات للعمل المنزلي متناثرة على أرضية الغرفة تبيّنت منها رفشا ومعولا وفأسا ومسحاة ومطرقة. أمّا واجهة الغرفة على طول الجدار المقابل للباب، فتشغلها رفوف مكتبة قديمة تنوء تحت أثقال من الكتب والمجلاّت الهرمة. وفيما كنت أتحسّس الجدار براحة كفّي والقاع الباردة بقدميّ الحافيتين حتّى أهيّئ لي مكانا مريحا دست بالصدفة على زرّ كهربائي فأضاء المكان مصباح هزيل النور يتدلّى من السقف. وقد ساعدني ذلك على التنقّل داخل الفضاء بسهولة أكبر. ووجدت في تصفّح المجلاّت ملهاة أنستني حبسي... كانت هناك مجلاّت محلاّة بصور ملوّنة تعرض مناظر طبيعية رائعة كالشلاّلات والبراكين والجبال المرصّعة بالثلوج والغابات الكثيفة حيث تتجوّل مجموعات من البشر الحفاة العراة بالكامل. انغمست في تلك العوالم الغريبة حتّى غبت تماما عن المكان والزّمان، ولم أنتبه إلاّ عندما فتح زوج ماما الباب ودعاني إلى الخروج. تظاهرت بالغضب والقرف من المكان الذي كنت فيه، حتّى لا يتفطّن إلى سعادتي ويحرمني من هذا العقاب الجميل. وعقدت العزم على العودة في أقرب فرصة إلى هذا السّجن الفردوسي الرّحب المليء بالحرّية... حدّثت أختي عمّا حصل لي فسحرها عالم غرفة القبو واقترحت عليّ أن نجتهد في إغضاب زوج ماما بأقصى ما نستطيعه حتّى نفوز بقيلولة فيها.
ومن الغد انطلقت أختي في إحداث الفوضى منذ الصباح متعمّدة إثارة زوج ماما، وهي ما تنفكّ تغمزني بطرف عينها داعية إيّاي إلى مساعدتها، حتّى أوقعناه في الفخ. وقد مثّل إقدامنا على تكرار سقاية أحواض النباتات في الشرفة، القطرة التي أفاضت كأس غضبه فما كان منه إلاّ أن زجّ بنا في الزنزانة قبل موعد فطور منتصف النهار. ظللنا هناك غارقتين في الكتب والمجلاّت حيث اكتشفنا من أين يأتينا بحكاياته التي يرويها لنا قبل النّوم، واستمتعنا بإتمام قراءة البعض من تلك الحكايات التي كثيرا ما كان النّوم يدركنا قبل سماع نهاياتها. ولم تمثّل صعوبة تهجّي بعض الكلمات وغموض بعض المفردات عائقا لفهم القصص. لمّا فتح زوج ماما الباب في العشيّة لإطلاق سراحنا، استغرب كيف بقيت صينية الأكل التي جاء بها دون أن نتفطّن إليه على حالها.
ولم يمرّ شهر إلاّ وقد غدونا نذهب إلى غرفة القبو من تلقاء نفسينا دون أن نضطرّ إلى مشاكسة زوج ماما... وكان صيفا استثنائيا ليس ككلّ الأصياف السّابقة. عزفنا فيه عن البحر، وعن هرج القيلولة، وتهنا في ثنايا القصص والكتب. ولم ينته الصّيف إلاّ وقد أحسسنا بأنّنا صرنا أكبر من عمرينا بسنوات حتّى أنّ أختي فاجأت ماما ذات يوم قائلة "اليوم كبرنا وفهمنا لماذا طلّقت بابا الأوّل وتزوّجت بابا الثاني".  
جلال الرّويسي
منّوبة10 سبتمبر 2013