jeudi 5 septembre 2013

ثنائية الصومعة والبئر في مملكة آل سعود

يرتبط ذكر دول الخليج العربي في الذهن آليا بالنفط، لارتباط اقتصادياتها كلّيا بالذّهب الأسود. لكنّ مملكة آل سعود تشكّل في الحقيقة استثناء لأنّه لئن كان صحيحا أنّ ذكرها يرتبط بالنفط إلاّ أنّه يرتبط أيضا وبنفس القدر، إن لم يكن بقدر أكبر، بالحرمين الشريفين. فمكّة والمدينة والإسلام ليست فقط ركائز للوزن الحضاري للمملكة وإنّما عليها أيضا تتأسّس المكانة الدّولية للمملكة ونفوذها الإقليمي والعالمي. وللبقاع المقدّسة وما يرتبط بها من مناسك العمرة والحجّ وزن اقتصادي هام، لا بالنسبة للمملكة السعودية حيث لا يمثّل شيئا يذكر مقارنة بعائدات النفط، ولكن بالنسبة لعدد كبير من المسلمين في العالم. 
صحيح أنّ الوزن الاقتصادي لمداخيل العمرة والحج أقل بكثير ممّا يدرّه النّفط، حيث نسجّل 11.5 مليار دولار كلّ سنة (9 مليار دولار للعمرة و2.5 مليار دولار للحج) مقابل ما بين 184 مليار دولار في 2010  و289 مليار دولار في 2011 كمداخيل من النفط، أي أنّ حجم البترول في الاقتصاد السعودي يمثل ما بين 16 إلى 25 مرّة حجم عائدات العمرة والحج. لكنّ هذه المداخيل كمبلغ لذاته دون مقارنته بالريع النفطي تبقى رقما ليس بالهيّن. فالسياحة الدّينية (هذا إذا جاز الحديث عن سياحة دينية) تدرّ على المملكة ما يعادل عائدات السياحة في مصر، هذا البلد السياحي بامتياز الذي تمثّل السياحة فيه 3.5 بالمائة من ميزانية الدّولة. أمّا إذا قارنّاها باقتصاد بلد كتونس، فإنّها تمثّل ما يقرب من نصف ميزانية الدولة لسنة 2013.
ولنا أن نتساءل بأيّ حقّ تستأثر مملكة آل سعود دون سواها بمداخيل العمرة والحج؟ وهل يمكن التعلّل بمبدأ السيادة الوطنية لتبرير هذا الاحتكار لمّا يتعلّق الأمر ببقاع مقدّسة هي تراث إنساني كوني وملك للمسلمين قاطبة؟ أليس الإسلام دين المسلمين جميعا في كافّة أرجاء المعمورة؟ فهل من المنطق في شيء أن تحتكر إدارة شؤونه دولة أو فئة دون البقية.؟ ثمّ لماذا لا تتنازل المملكة من تلقاء نفسها عن هذه المداخيل طالما أنّها في غنى عنها خصوصا وهي تعرف أنّ هناك من المسلمين من هم أحوج منها إليها ؟ ألا يفرض عليها واجبها الديني والأخلاقي هذا التنازل؟ 
كنّا سنتفهّم الأمر لو كان لهذه الحفنة من مليارات الدولارات وزن يذكر في ميزانية المملكة واقتصادها. لكن، لماذا تستأثر المملكة بهذا الفتات رغم مئات مليارات الدولارات التي تجنيها من النفط؟
ربّما لأنّها أموال طاهرة فيها من البركة ما لا يوجد في أموال النفط المتبخّرة في البورصات والكازينوهات العالمية...
إنّ صلف آل سعود وموالاتهم العمياء لسياسات الأمريكان المعادية للشعوب العربية وللمسلمين في فلسطين والعراق وسوريا وتونس ومصر وغيرها من البلدان التي يدرّ حجّاجها ومعتمروها الأموال على خزائن المملكة، يقتضي المطالبة بتحييد البقاع المقدّسة ووضعها خارج التبعية لدولة بعينها. فما الذي يمنع من الاقتداء بخيار الكاثوليك المسيحيين الذين متّعوا كنيسة الفاتيكان بوضع دولة مستقلّة ذات سيادة واقتطعوها من قلب روما؟
طبعا يقاوم آل سعود بكلّ قواهم هذه الفكرة التي تثير خوفهم وجنونهم. فهم يعرفون أنّ النفط فان وبيت اللّه باق... إنّه احتياطيّهم الاستراتيجي لا فقط المالي ولكن الحضاري والسياسي والإيديولوجي الذي لا يمكن أن يتخلّوا عنه لأحد.
يتربّع آل سعود اليوم على نافورة بئر بترولية تضخّ نفطا بقوّة هائلة رافعة إيّاهم إلى أعلى السماوات. ويتّخذون من ذلك الموقع منارة صومعة شاهقة يرفعون منها لواء الوهابية التي تمثّل حسب زعمهم الإسلام الصحيح دون سواها... ولأنّهم يدركون جيّدا ما الذي يمكن أن يلحق بهم إذا ما جفّت البئر ذات يوم وتوقّفت مضخّة النافورة، فإنّهم يتمسّكون بكلّ قواهم بصومعات الحرمين الشريفين حتّى تكون عكّازهم الآمن الذي يحميهم من السقوط الصاروخي المروّع على طريقة الصور المتحرّكة إذا ما توقّف الضخّ ...