mardi 8 avril 2014

حوارية الخضار في قدر تصلاه النار

تشتش الزيت محدثا صوتا شبيها بشكاشك عازف إيقاع السطمبالي فاستجاب غطاء القدر باهتزازات خلّفت بدورها صوتا متناغما مع التشتشات... كانت البصلات البيضاء الثلاث قد قصّت شعرها الأخضر وذيلها الأبيض ونضت عنها القشرة الخارجية فغدت لزجة لمّاعة وهي تتلهّف إلى دخول حلبة الرقص في جوف القدر. لمّا شرّحتها الصبيّة وقطّعتها إلى مربعات صغيرة، جعلت تنزلق داخل حوض الزيت المغلّى مستطيبة ذلك الحمّام الحار ومحدثة بخارا يغطي سماء القدر. ومباشرة بعد ذلك رمت البنيّة حفنة من الحمّص المنقوع في الماء، فأخذت حبّاته تنطّ فوق قاع القدر وتنقره محدثة إيقاعا هو كعزف على آلة النغارات في فرقة صوفية. تمطّى اللحم النيّء وقد استفزّته الموسيقى ورائحة البصل، فألقت به البنيّة في حلبة الرّقص. احتدّت التشتشات وتسارع الإيقاع، وأخذت البنيّة المنتشية بما تفعل تحرّك محتويات القدر بالمغرف الخشبي كما لو كانت قائد أركسترا، فيما كان اللّحم يتلوّى منكمشا ومتقلّصا ومعانقا مربّعات البصل. تصبّب الراقصون عرقا وقد بدا عليهم الإنهاك، فصار من الضروري أن تطفأ البنيّة ضمأهم بشيء من الماء، ولكنّها قبل ذلك خيّرت أن ترشّ الراقصين بأنواع شتى من بخور التابل والكركم والكروية والزعتر والإكليل، حتى صارت البنيّة نفسها ترقص وقد تخمّرت بدورها... ثمّ أغلقت القدر بإحكام...
في الخارج كانت أنواع كثيرة من الخضار تتزاحم في انتظار أن يجيئها الإذن لتلتحق بالجوقة داخل القدر فتساهم في سمفونية الأنف واللسان...
كان واضحا أنّ الأولوية لأوراق الكرمب المغلّفة بالتجاعيد وقد كانت تتحرّق شوقا إلى التمدّد في قاع القدر مغلّفة الجميع بأحضانها. كان الجزر برتقاليا مضيئا بعدما حلق ذقنه وصار أملسا يبدو أصغر بكثير من سنّه الحقيقي. أمّا البطاطس، فقد تعرّت بالكامل وكشفت عن بشرة بيضاء كالحليب، ولكنّها كانت خجولة من استدارات جسدها المغري بمداعبتها. ورقات البقدونس كانت منفوشة الشعر على طريقة الشباب ذي الميول الفوضوية تتسلّى بالرقص خارج القدر على إيقاع الأصوات الواصلة إليها من بعيد... أمّا الثوم فكانت أسنانه الفضية تقرص كالبعوضة أظافر البنيّة وهي تحاول فصلها عن بعضها البعض فيما الفلفل الحار يرسل فحيح حرارته كالثعبان في محاولة لإخفاء خوفه من مواجهة النار.
سمعت البنيّة أصواتا تتعالى من داخل القدر "الماء، نحتاج ماء، بسرعة، ماء، ماء" حتى أنّ قطعة من الشحم أطلّت بطرف رأسها من تحت غطاء القدر مستعجلة الأمر... بعدما سقت البنيّة جميع من في القدر، فخفتت أصواتهم وسكنت حركتهم لحين، تنحنح الكرمب وزحف نحو القدر كالفقمة ثم ارتمى يسبح على سطح الماء داخل القدر كتمساح هرم وما لبث أن استرخى وأطلق تنهيدة قبل أن يغوص في الأعماق لينام في قاع القدر.