jeudi 10 avril 2014

محمّد "لاصيان"

لمّا توقّف المطر، خرج "محمّد لاصيان" إلى الشارع مستطلعا آثار ليلة كاملة من السيول المتواصلة على منازل الطوب الهرمة. كانت الجدران المتآكلة ذات الحجارة الناتئة كبقايا أسنان في فم عجوز أدرد متشرّبة ماء حتّى صارت تهدّد بالتهاوي في أيّ لحظة. سحب "محمّد لاصيان" من جيبه علبة السجائر وقبل أن يشعل واحدة عدّ ما تبقّى في العلبة من سجائر مستغربا سرعة نفاذها وخمّن أنّ البركة طارت من كلّ شيء ولم ترحم حتّى السجائر التي التهبت أسعارها. قرفص مسندا ظهره إلى جدار بيته وطلب من مقداد ابن جاره الذي كان يلعب بالوحل أن يسأل أمّه إن كان لديها بقايا "رشفة تاي"... 
ينادي أهل القرية محمّد بلقب "لاصيان" المستمدّ من عبارة فرنسية اعترافا له بالخبرة والمهارة في حرفة البناء. قدّر "لاصيان" في سرّه أنّه من الأفضل له ولسكّان هذه البيوت الهرمة لو تتداعى إلى السقوط حتّى تعوّض الدولة لأصحابها بمساعدات مالية، وهكذا "يدور الدّولاب" ويتوفّر له الشغل الذي كسدت سوقه منذ حلّت الثورة. وفي نفس الوقت يستفيد أهل القرية فيجدّدون بيوتهم... لكنّه سرعان ما طرد هذه الفكرة من دماغه بعدما شعر بالذّنب، إذ كيف له أن يتمنّى أن تهدم بيوت الناس حتّى يجد هو شغلا؟ ثمّ من يضمن أصلا أنّ الدّولة ستعطي تعويضات بعدما صرفت كلّ أموالها في التعويض لجرحى الثورة وأهالي الشهداء ومساجين العهد البائد... تبّا لزوجته التعيسة التي منعته من الخروج مع الجماعة أيّام الثورة للسّطو على المستودع البلدي... لو لم يسمع كلامها وخرج مع أصدقائه الثلاثة فربّما فاز بطلقة نارية في الساق جعلته من ضمن جرحى الثورة ليحصل على تعويض يقلب حياته، وليكن أنّه مات، فقد كان سيستريح من الشقاء ويصير شهيدا يرفع رأس أبنائه ويضمن لهم تعويضا سخيا. سحب آخر نفس من السيجارة ورمى بها في بركة الوحل مستغفرا الله عن هذه الوساوس الشيطانية، ثمّ همّ بالوقوف مسندا يديه على الجدار. 
كانت آخر كلمة نطقها "محمّد لآصيان" قبل أن يهوي عليه جدار بيته فيكتم أنفاسه هي "أستغفر الله العظيم عن كلّ ذنب عظيم"... يقع قبر "محمّد لاصيان" بجانب قبور مفخرة القرية وشهدائها الثلاثة، الذين كان "محمّد لاصيان" آخر من رآهم قبل خروجهم إلى المستودع البلدي. ينام الشهداء في قبور جميلة وأنيقة تبرّع "محمّد لاصيان" ببنائها بكلّ تفان إكراما منه لروح أصدقائه الثلاثة. وعلى كل قبر رخامة نقش عليها اسم الشهيد مع الآية الكريمة "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربّهم يرزقون". "أمّا قبر "محمّد لاصيان"، فمجرّد كوم من الحجارة كقبور الأنبياء، لولا تلك اللوحة الخشبية التي ثبّتها ابنه وكتب عليها بخط مرتعش "هز الكنتولة يا لاصيان يا بو السواعد البنّاية، السلّوم مهما طوال الدرجات ليها نهاية"
رحم الله محمّد لاصيان، كان من الفقراء النبلاء.



هز الكنتولة يا علي يا بو السواعد البناية، مهما طوال السلوم الدرجات ليها نهاية

هز الكنتولة يا علي يا بو السواعد البناية، مهما طوال السلوم الدرجات ليها نهاية
هز الكنتولة يا علي يا بو السواعد البناية، مهما طوال السلوم الدرجات ليها نهاية
Top of Form