vendredi 11 avril 2014

ينعل بو الدنيا

حالما تعافت أحلام، استأنفت التردّد على الملهى الليلي حيث كانت تعمل راقصة. لكن بوصفها حريفة هذه المرّة وليس بوصفها نجمة الملهى ومركز ثقله. لم تتحمّل حياتها حبيسة بيتها الكئيب. إذ رغم كلّ ما وفّرته فيه من أسباب الرّاحة، فإنّه ظلّ موحشا يسيطر عليه صمت المقابر. فهي ابنة الليل والملهى هو بيتها وحرفاؤه هم عائلتها. ولكنّها للأسف لم تعد تستطيع مواصلة الرقص مهنتها التي تعشقها إلى حدّ الجنون.
في البداية، كانت تبالغ في الشرب وتنهار بالبكاء في آخر السهرة فيواسيها أصدقاؤها من المعجبين بها أيّام مجدها، حتّى نبّه عليها صاحب الملهى وهدّدها بعدم قبولها من جديد. لكنّ الحرفاء صدّوه عنها وهدّدوه بمقاطعة الملهى إن هو منعها من الدخول. استمرّت تتردّد على الملهى حريفة يومية لأكثر من ثلاث سنوات حتى عرض عليها صاحب المحلّ أن تكون قابضة تتعامل مع النوادل.
حصل ذلك ليلة الاحتفال بذكرى الثورة، حيث كانت مشاعرها مزيجا بين الفرحة بسقوط نظام أنهكها أعوان بوليسه بالابتزاز والتحرّش وبين خوفها ممّا ينتظرها بعد انتقال السلطة إلى الإسلاميين. بالغت ليلتها في الشرب، ورقصت بتوتّر جعل عضلاتها منقبضة ولكنّها كانت تغطّي آلامها كلّ مرّة بكأس إضافية. ولم تفق إلاّ وهي في المستشفى حيث أعلمها أحد أصدقائها من حرفاء الملهى بّأن كعبها التوت وهي ترقص فسقطت من الدرج نحو أسفل الحلبة. وقضت بالمستشفى شهرين كان فيهما جرح ركبتها يتعفّن أكثر فأكثر بسبب إصابتها بداء السكّري حتى أعلمها الطبيب ذات يوم بأنّه لا مفرّ من بتر الساق إلى حد الركبة لإنقاذ حياتها.
أصرّت على استلام ساقها المبتورة وأقامت لها جنازة كاملة. غسّلتها وكفّنتها وحفرت لها قبرا دفنتها فيه ثمّ ثبّتت عليه رخامة كتبت عليها " أيّها التراب، هذه تسبقة على الحساب..."
وهاهي بعد أربع سنوات فقط من الحادثة عجوزا مترهّلة لا أثر فيها من ذلك الجمال الآفل وتلك الحيوية المتبخّرة. تؤوب إلى غرفتها ليلا ثملة وقبل أن تدخل الفراش تنزع كل قطع الغيار التي تغلّف بها جسدها. تبدأ بالنظارتين، ثم الأشفار الاصطناعية فالعدستان الملوّنتان فالباروكة ثم طاقم الأسنان والسمّاعتان ثم الأظافر الاصطناعية وتمرّ إلى الساق الخشبية وتجس كرتي السيليكون اللتين تشدان الصدر وهي تنظر في المرآة. تبصق على المرآة وتصرخ "ينعل بو الدنيا قداشها ..." ثم تغيب عن الوعي