samedi 12 avril 2014

اعترافات في الوقت الضائع

نعم قصّرت معك يا سنان في الشهور الأخيرة. لمّا مرّ المرض إلى السرعة القصوى ودخل بك في المنعطف الأخير، كنت ألهث وكانت عجلاتي "مفشوشة". ما كان بإمكاني مسايرة النسق. لم أعد أستطيع أن أقابلك لألوك أمامك تلك الكذبة التي لا تنطلي عليك "آه، أنت اليوم أفضل حالا يا عشيري... ما شاء الله وجهك مشرق". كان الحديث الوحيد الصادق والممكن بيننا هو عن الموت، عن موتك. وأعترف أنّه لا أحد منّا كان يستطيع ذلك أو يرغب فيه... كان الأمر يحتاج منّا التحليق في طبقة أخرى من كنه الوجود. لعلّك كنت تنتظر منّي أن أبادر لتستجيب... ربّما. لكنّك تعلم محدوديّة قدرتي على التفلسف.
كم رجتني ابتسام ألاّ أغيب عنك، ومثلها ألحّت كوثر وفعل كمال الزغباني وعبد السلام البغوري وغيرهم... كنت أعدهم دون أن أفي، لأنّني لم أكن أقوى على رؤيتك بصدد الموت. كم آلمني قول كمال "عشيرك يسلّم عليك، ويقولّك ما تخافش منّي راهو السرطان موش مرض معدي" 
لكنّ كلّ ما فيك معدي يا عشيري: الصداقة والخيال والإحساس والحساسية واللعب بالمعاني. كم مرّة تساءلت في سرّي محاولا تقليدك: "ماذا لو كانت الحياة تبدأ بالمقلوب؟؟ فنصير نبدأ من النهاية متجهين نحو البداية؟ نبدأ أمواتا ثمّ نحيا ونسير القهقرى نحو لحظة الولادة، نبدأ شيوخا هرمين ونسير باتجاه الطفولة، نبدأ موظّفين مهمومين ثم ننتهي تلاميذ أبرياء وأشقياء، نبدأ أباء ثم ننتهي أبناء... هذه عدواك يا عشيري التي أصابتني من منادمتك في بار الفول بنهج روما ونحن نمارس خيانة الندامى المطاردين إيانا بالهاتف...
كنت أحدّث كمال عن ضعفي، عن عجزي، عن هروبي. وكان يتفهّم الأمر ويستدرك "لكنّ سنان يحتاج منّا مرافقته في هذا الشوط الأخير... صعب عليه أن يمشيه لوحده"
كنّا نعرف أنّك ستموت، أخبرنا بذلك العلم. كنت أوّل من عرف ذلك ذات يوم من شهر أوت 2012... قالها لي حمّأدي الديناصور وهو خارج متثاقل الخطو ومهدودا من مخبر الآنابات بالرابطة. احتمى وراء جملة ساخرة من القدر ليداري وجعه وقد غشى عينيه سحاب أغبر "صاحبنا وقع في المصيدة، منيّكة علينا وعليه. الNK T هذا لا يرحم"
ومن يومها وأنا أحاول تكذيب العلم وحمّادي وأتمسّك بالكذب على نفسي وعلى من حولي. تخفّفت من عبء سرّي على حساب كمال المسكين. أفتيت لنفسي ذلك بالقول "أليس روائيا متعوّدا على تحمّل أعباء شخصياته وعذاباتهم، فليعتبرني واحدا منهم".
في المنعطف الأخير، كان واضحا أنّ المرض أشهر خنجره وصار يعربد ويلعب على المكشوف. وعمّت حالة من الاضطراب العاطفي بين الأصدقاء والرّفاق الذين صاروا يلملمون أمرهم ويكثّفون التكريمات والنصوص كأمريكي يحصّن بيته بالمسامير ضدّ إعصار قادم لا محالة... وبقدر ما كان المرض يزحف في تبجّح الجبان، بقدر ما كانت تطفح على وجهك حكمة وهدوء الشجعان.
أنا لم أحضر لا التكريمات ولا التوديعات ولا التأبينات. بذلك حافظت عليك حيا.
التقيتك آخر مرّة في حانة الرّكن "التورنون"، حدّثتني يومها عن مشاريعك القادمة بعد الفراغ من العلاج. بعدما خرجنا متعتعين كالعادة، كنت قد حسمت أمري، وقرّرت اعتبار أحدنا مسافرا. آه، تصادفنا بعدها ثانية في نهج المختار عطية وأنت مرفوق بأحمد الملولي ورياض الفاهم ومحمد الهادي الوسلاتي، كنت خارجا لتوّك من دار الثقافة ابن رشيق حيث ألقيت مداخلتك في ذكرى بلقاسم اليعقوبي، وكنتم تتعجّلون الذهاب إلى حانة "الأوسكار" لإطفاء الظمإ بكأس... تعلّلت بأنّني مرفوق بالخطيبة، فصافحتني وأنت تدسّ في مشاكساتك إبر العتاب المرّ. لمعت في عيوننا وفي غفلة من الأصدقاء كلّهم نظرة الوداع الأخير... بعدها، ارتكبت في غيابك الخيانات التي تعرف... تزوّجت، ثم سافرت إلى الخليج، كأنّما كنت أبحث عن فسخ حياتي السابقة، قبل أن تفسخ برحيلك أحلى فقرة فيها... 
تركتك في العاصمة، وها أنّك قد هجرتها من بعدي لتقيم نهائيا ودون رجعة في قبلي... حسنا فعلت حتى لا أزور قبرك وأزعجك بنواحي... سأعتبرك قد نفّذت ذلك التهديد الذي كم كنت تردّده كلّما استبدّ بك القرف من العاصمة ومن نفاق العاصميين... كنت تقول لي "والله يا عشيري، ليس هناك أنقى وأهنأ من العيش مع أهلي الطيّبين في قبلّي، والقلب خال من هموم المدينة وزيفها" سأتشبّث باعتبارك في "منط" (جلسة خمرية في غابة النخيل) مع حمان عدوّ البطاطا وسمير البوهيمي وعرفُك "حمامة" الذي علّمك مهنة الدهينة وذلك الزنجي العملاق الوديع وبقية الشلّة... لن أزور قبلي حتى لا أصحو من وهمي... ولن أمرّ أمام بيتك في أريانة... سأسعى إلى رؤية إيثار وأمّه... وسأشتمّ رائحتك في شقيقك ماجد شبهك في العمق والكرم... سأواصل الشرب رغم داء السكري، في نفس المكان وحسب نفس الطقوس، إحياء لذكراك وإكراما لروحك...
شيء واحد لست أدري كيف أعالجه، وهو كيف أسدّ فجّ الريح الذي تركه لي رحيلك بين الكتفين؟؟؟