samedi 19 avril 2014

ليلة الكسوف (قصة مترجمة لغابريال غارسيا ماركيز)

 ترجمها جلال الرويسي بمسقط في 19 أبريل 2014
عن نسخة بالفرنسية منشورة بصحيفة لوموند
ديبلوماتيك في أوت 2003

المرجع للنسخة الفرنسية http://www.monde-diplomatique.fr/2003/08/GARCIA_MARQUEZ/10357  كان هذا النزل العجيب يخبّأ ل"آنّا ماجدلينا باخ" ألغازا أكثر تعقيدا من مجرّد إطلاق نظام الإنذار إثر إشعالها سيجارة. إنذار كان عبارة عن جوقة من المنبّهات الصوتية والضوئية، صاحبها صوت زاجر يخبرها بثلاث لغات مختلفة أنّها في غرفة لغير المدخنّين، هي الغرفة الوحيدة التي أمكنها حجزها في ليلة الاحتفالات تلك. احتاجت المساعدة حتى تفهم أنّ إشعال النور وتشغيل التلفزيون ومكيّف الهواء وموسيقى الغرفة يتمّ بواسطة نفس البطاقة التي تسمح بفتح الباب. وكذلك تمّ تلقينها كيف تستخدم اللوحة الإلكترونية للتحكّم في زخّات الماء المثيرة جنسيا والجالبة للاسترخاء في حوض الجاكوزي. وبدافع الفضول المتأجج فيها، خلعت تنورتها التي بلّلتها شمس المقبرة بالعرق وشدّت شعرها تحت طاقية وعرّضت جسدها للتيارات المائية. وفي غمرة استمتاعها ذاك، اتصلت بزوجها عبر الهاتف لتقول له "عزيزي لا يمكنك أن تتخيّل كم أنا في حاجة إليك الآن" قالت له ذلك بدلال جعله يحس بحرارة جسدها داخل حوض الجاكوزي، فأجابها "اللعنة، أعترف أنّك سدّدت لي ضربة ناجحة. ثقي أنّني سأثأر لنفسي"
فكّرت أن تطلب شيئا تأكله على مهل في مهجعها حتى لا تضطرّ إلى لباس ثيابها من جديد. ولكنّ ارتفاع سعر هذه الخدمة جعلها تعدل عن فكرتها وتنزل إلى المطعم مرغمة. كان الفستان الحريري الأسود ذو الشكل المخروطي الطويل لائقا جدّا على تصفيفة شعرها، وفتحة الصّدر العريضة تعطي انطباعا بأنّها نصف عارية. ولكنّ القلادة والأقراط وخواتم الزمرّد الكاذب التي زادت عينيها بريقا، أمدّتها بالثقة وثبّتت معنوياتها.
نزلت إلى العشاء عند الثامنة ليلا. لكنّها فرغت من الأكل بسرعة، خصوصا وقد أزعجها بكاء الأطفال والموسيقى الصّاخبة إلى الحدّ الذي جعلها تفكّر في العودة إلى غرفتها لاستئناف قراءة كتاب كانت قد بدأته منذ ثلاثة أشهر. وفي طريقها إلى غرفتها، أعاد لها هدوء البهو انتعاشها من جديد. لاحظت وهي تمرّ أمام الملهى، زوجين من موظّفي النزل يؤدّيان رقصة الإمبراطور بإتقان لافت. تسمّرت مكانها تتابع الراقصين حتى فرغا وأخليا حلبة الرّقص للحرفاء. وفي تلك اللحظة، فاجأها من الخلف صوت رجالي دافئ ليوقظها من حلمها : "هل تسمحين برقصة؟". كان صاحب الصوت قريبا منها إلى الحدّ الذي جعلها تتبيّن رائحة خجله الخفيفة تخترق غلاف عطر ما بعد الحلاقة. ولمّا التفتت إليه لتعتذر في اضطراب واضح أحسّت بنفسها ينقطع "آسفة، لباسي غير مناسب للرّقص" وجاءها الردّ فوريا: "ولكنّ فستانك هو الذي يلبسك ولست انت من ترتدينه"
أربكتها الجملة، وفي حركة لا إرادية مرّرت يدها على صدرها ثمّ على ذراعها العارية فخصرها المستقيم، كأنّما كانت بذلك تريد أن تتأكّد أنّ جسدها موجود داخل الفستان وأنّها تحسّ به وتلمسه. ثمّ أعادت النظر باتجاه الرّجل من خلال محور كتفها، لكن ليس لمجرّد رؤيته هذه المرّة وإنّما لتتملّى وجهه بعينيها اللتين لم ير هذا الرّجل أجمل منهما في حياته.
"هذا لطف منك" قالت له بإغراء وأضافت "أمازال من الرجال من يقول مثل هذا الكلام للنساء؟"
اقترب الرّجل منها أكثر، مجدّدا دعوتها إلى الرّقص في حركة صامتة. أمسكت آنّا ماجادلينا باخ، الوحيدة والحرّة في جزيرتها، بيد الرّجل الممدودة نحوها بكلّ ما في روحها من قوّة، كما لو كانت تقف على شفا هوّة تخشى السقوط فيها. رقصا سويّا ثلاث رقصات كلاسيكية. ومنذ الخطوات الأولى خمّنت آنّا ماجدلينا أنّ الرّجل قد يكون من موظّفي النزل المحترفين المكلّفين بتنشيط السهرات، وأطلقت العنان لجسدها لينساق في لفّات محورية محمومة، محافظة في ذات الوقت على مسافة تجاه جسد الرّجل بواسطة ذراعها الممدودة. قال لها وهو يثبّت نظراته في عينيها "أنت ترقصين كحورية". وكانت تعرف أنّ ذلك صحيح ولكنّها كانت تعرف أيضا أنّ الرّجل كان سيوجّه نفس تلك المجاملة لأيّ امرأة يرغب في استدراجها نحو فراشه.
حاول في الرّقصة الثانية أن يضمّها إلى صدره، ولكنّها نجحت في صدّه والمحافظة على مسافة الأمان. وقد دفعه ذلك إلى الانهماك في الرّقص كإله، مكتفيا بتوجيهها من خصرها بأطراف أصابعه، كما لو كان يحرّك زهرة. وفي منتصف الرّقصة الثالثة، تملّكها الإحساس بأنّها تعرف هذا الرّجل من زمن بعيد.
لم تتصوّر أبدا رجلا من طينة القدامى بهذا المظهر اللاّفت. كانت له بشرة فاتحة وعينان من نار تحت حاجبين كثيفين وشعر فحمي ملمّع بالجال وممشوط بعناية مع خطّ مستقيم يشقّه في الوسط. كانت بدلة الحرير الخالص التي يرتديها على مقاس خصره بالضبط وتعطيه هيئة غندور كلّ ما فيه متصنّع. ولكن عينيه المشتعلتين كانتا تصرخان عطشا إلى الحنان.
لمّا فرغا من الرّقص قادها دون أن يأخذ رأيها إلى طاولة منزوية. لم يكن هناك من داع لذلك. حدست الآتي وراقها أن يطلب شامبانيا. كان الضوء الخافت يجعل المكان مريحا ويضفي على كلّ طاولة حميميتها الخاصّة بها.
قدّرت آنّا ماجدلينا أنّ سنّ مرافقها لا يتجاوز الثلاثين، مادام يكاد لا يعرف شيئا عن رقصة البوليرو. ظلّت تقود الرّقصة بمهارة ورشاقة، حتّى أمكنه أن يمسك بإيقاع الرّقصة ويتفاعل معها. لكنّها حافظت على مسافة بينهما حتى لا تحرّك فيه الرّغبة أن يشمّ ما في شرايينها من دم ساخن بفعل الشامبانيا. ولكنّه أرغمها على ذلك. جرّب ذلك في البداية بلطف ونعومة، وفي مرحلة لاحقة استعمل كلّ ما في ذراعه المطوّقة لخصرها من قوّة. عندها أحسّت على فخذها ما كان يريد أن يلفت انتباهها إليه حتّى يرسم حدود مجاله، ولعنت في سرّها نبضات الدّم في شرايينها وتسارع أنفاسها. لكنّها نجحت في صدّ زجاجة الشامبانيا الثانية. لمّا تفطّن إلى ذلك، دعاها إلى المشي على الشاطئ. قالت برعونة أنها توافق من باب التضامن حتّى تخفي حرجها.
-       "هل تعلم كم عمري؟"
-       "لا أستطيع أن أتخيّل أنّ لك عمرا"، أجابها
-       "بالكاد، ذلك العمر الذي قد تتخيّله لي"
ولم تكد تنهي جملتها تلك حتى تملّكها الملل من هذه الأكاذيب، فقرّرت أن تحسم الأمر. إذا لم يكن الآن فلن يكون أبدا. "أنا آسفة" قالتها وهي تنهض. فقفز الرّجل ملتاعا
-       "ما الذي حصل؟"
-       "عليّ أن أذهب. أنا لا أتحمّل الشامبانيا"
اقترح عدّة خيارات أخرى بريئة، وهو بالتأكيد يجهل أنّ المرأة إذا قرّرت الذّهاب فلا توجد قوّة بشرية أو سماوية تستطيع ثنيها عن قرارها. وفي الأخير استسلم.
-      في هذه الحال، اسمحي لي أن أرافقك
-      لا تزعج نفسك. شكرا على هذه الليلة التي لا تنسى
ظلّت وهي في المصعد تستغفر عن ذنبها وتعلن توبتها. كانت تحس بغيض شديد على نفسها. ولكنّها كانت تجد في قرارها بالعودة إلى غرفتها ما يواسيها. نزعت حذاءها حالما دخلت الغرفة وتهالكت على الفراش مستلقية على ظهرها ثم أشعلت سيجارة. وفي نفس اللحظة تقريبا رنّ جرس الباب فلعنت هذا النزل حيث يطارد القانون الناس في حميمياتهم الأكثر قدسية. لكن الطارق على الباب لم يكن القانون، وإنّما الغندور. كان طيفه في عتمة الرواق أشبه ما يكون بتمثال من متحف الشمع. رمقته بنظرات حادّة وعدوانية ويدها ممسكة بمقبض الباب، ولكنّها لم تمنعه من أن يعبر إلى داخل الغرفة، ففعل كما لو كان يلج بيته.
-       "هل لي أن آمل في كأس؟ أما من شيء تقدّمينه لي؟" قال لها
-       "اخدم نفسك"، أجابته "فأنا لا أعرف شيئا عن كيفية استخدام هذه المركبة الفضائية"
وعلى نقيضها، كان هو يعرف كلّ شيء. خفّض النور وشغّل موسيقى هادئة وصبّ كأسي شامبانيا من المينيبار بمهارة قائد أوركسترا. انخرطت في اللعبة كأنّما لم تكن هي، وإنّما مجرّد ممثّلة لذلك الدّور. كانا على وشك أن يرفعا نخبا ويشنشنا كأسيهما لمّا رنّ الهاتف فردّت فزعة. وجاءها على الطّرف الآخر من الخط صوت عون الحراسة يعلمها بلطف أنّ نظام النزل يمنع استقبال الضيوف بالغرف بعد منتصف الليل دون تسجيل أسمائهم بمكتب الاستقبال.
-       "لا حاجة إلى تذكيري بذلك" قالت له مقاطعة ومضطربة، "أرجو المعذرة"
علّقت السمّاعة وقد غدت حمراء كقرنفلة. أمّا هو، فعلّق كما لو كان قد سمع ما دار في المكالمة بعبارة بسيطة "إنّهم رهبان في دير". ودون انتظار، دعاها إلى الشاطئ لتأمّل كسوف القمر. كانت المعلومة جديدة بالنّسبة لها، وهي المولعة بمشاهدة الكسوف منذ طفولتها. هكذا، بعدما قضت سهرتها في صراع بين الغواية والتعفّف، ها هي الآن دون عذر مقبول يسمح لها بالرّفض.
-       "لا مناص لنا من ذلك" قال لها، "إنّه قدرنا"
جرّدتها هذه الذريعة القدريّة التي رماها بها من آخر تحفّظاتها، فخرجا على متن شاحنة الغندور لمشاهدة الكسوف في خليج تحجبه غابة من النخيل ولا أثر فيه لسائح واحد. كانت السماء صافية والقمر وحيدا وحزينا. وفي الأفق البعيد لاحت أضواء المدينة. ركن الشاحنة بجوار النخيل ونزع حذاءه ثمّ فتح حزامه وأطلق الكرسي إلى الوراء ليسترخي عليه. لاحظت أنّه لم يكن في الشاحنة كراسي خلفية حيث يكفي الضغط على زر لتحويل الكراسي الأمامية إلى سرير. أمّا بقية الفضاء فيشغله مينيبار وجهاز لبث موسيقى الساكسفون وركن لقضاء الحاجة البشرية وراء ستار قرمزي. عندها فهمت كلّ شيء.
-       "ما من كسوف هناك" قالت، "القمر في طوره نحو الاكتمال."
ظلّ هادئا ولم يتحرّك له ساكن. ثمّ قال:
-       "فليكن خسوف الشمس إذن، أمامنا الوقت كلّه"
ولم يعقب ذلك مقدّمات أخرى. فقد عرف كلاهما ما الذي عليه أن يفعله. والحقيقة أنّ آنّا ماجدلينا قد أدركت منذ الرّقصة الأولى أنّه ليس لهذا الرّجل من شيء مختلف يمكنه أن يهديه لها سوى ذلك الشيء. أدهشتها براعته في خلع ملابسها قطعة قطعة، بل خيطا خيطا. فعل ذلك ببراعة ساحر مستخدما أطراف أصابعه حتّى يكاد لا يلمسها، كما لو كان يقشّر بصلة. عند الهجمة الأولى للتنّين أحسّت قواها تخور من فرط الألم وبالمهانة البشعة التي تلحق بدجاجة مفكّكة. اختنقت وغمرها عرق بارد، ولكنّها استعانت بغرائزها الأولى حتى تقاوم الإحساس بالاضمحلال والدونية إزاءه. وانخرطا في تلك اللذّة التي لا تصوّر والناتجة عن اختلاط القوّة البكر بالرّقة والحنان.
لم تسع أنّا ماجدلينا باخ إلى معرفة من يكون ذلك الرّجل، ولم تفكّر في الأمر أصلا. ولم تتعرّف على حقيقته إلاّ بعد ثلاث سنوات من تلك الليلة المشهودة لمّا عرض التلفزيون صورة تقريبية لمصّاص الدماء الذي تبحث عنه شرطة الكاراييب كلّها بوصفه متحيلا وقوّادا في خدمة الأرامل المومسات والوحيدات، والقاتل المحتمل لاثنين منهما.