jeudi 19 juin 2014

نافذة على البلد



المطارات فضاءات مميّزة لأكثر من سبب... تهجّر من محيطها عصافير الطبيعة لتحتلّه طيور معدنية عملاقة تسمّى طائرات... وككل محطّات السفر فهي فضاءات تجمع القادمين والمغادرين بما يحمله كلا الصنفين من شحنة عاطفية ورمزية... مزيج من الأجناس والثقافات واللغات والغايات والمصائر المختلفة تتقاطع في هذا الفضاء، وتتوزّع في طوابير التسجيل حاملة معها أمتعة وحقائب تخفي ما تخفي من تفاصيل حياة كل واحد... وما هي إلاّ سويعات حتى يأخذ كل مسافر بما لديه من خصوصيات مسلكا خاصّا به فتفرز المصائر ويتفرّق الجمع. هذا مريض مسافر طلبا للعلاج، وهذا مهاجر يحلم بالعمل، وذاك سائح يطلب الترويح عن النفس والاكتشاف، والآخر رجل أعمال، ومنهم الجاسوس في مهمّة، واللاجئ السياسي الفارّ من سجون حاكمه، ومن شرّدتهم الحرب، والطالب والعاشق اللاهث وراء معشوقته والحاج والتاجر والفنّان... طواقم الطائرات يعبرون في هيبة مميّزة، فالمضيّفات حوريات يسحرن الجميع برشاقتهن وجمالهن وعبق عطورهنّ، وقادة الطائرات وسيمون أنيقون بلا جدال... هناك موظفو المطار وعمّال الشحن ونوادل المطاعم والمقاهي والمنظفون والعتّالون وسوّاق التاكسي... هناك أيضا بنوك تتكدّس فيها عملات أجنبية بمقادير تكفي لتعمير صحراء الجنوب وإحيائها، ووكالات أسفار ومحلاّت لكراء السيارات... وفي المطار كذلك أقبية وممرّات تحت أرضية وبرج مراقبة ومخازن سلع وورشات صيانة وخزّانات الكيروزين العملاقة المنتصبة ك"سيلووات" القمح... كما توجد في المطار مطاعم ومقاه وقاعات صلاة وأكشاك تبيع الهدايا والمجلاّت والصحف بجميع اللغات... وهناك فرق إنقاذ ومكاتب إرشاد ورعاية صحية ومراكز إيقاف... بعض مسافرين أنهكهم طول الانتظار فناموا على الكراسي وحتى على الأرضية في وضعيات مضحكة وفي طمأنينة لا تتناسب مع طبيعة المكان واختلاط الأجناس فيه. حركة دائبة وسبّورات إلكترونية تعلن عن هبوط الطائرات وإقلاعها، ورحلات منظّمة لحجيج أو معتمرين أو سياح من الجيل الثالث يقودهم مرشدوهم كأطفال الروضات... هناك فقراء جيء بهم للعمل يساقون كقطعان الغنم يتقدّمهم وكيل مكتب استجلاب العمالة الأجنبية ممسكا حزمة جوازاتهم التي لن تعاد إليهم إلاّ يوم يغادرون... بعض خادمات إفريقيات أو آسياويات فقدت عيونهن كل تعبير من فرط استسلامهنّ للمجهول. وهناك أوروبيون فارعو القوام يتكلّمون الإنقليزية بطلاقة وبصوت مرتفع يتحرّكون بثقة تشي بأنّهم خبروا المكان. من الواضح أنّهم مهندسو شركات نفطية أو خبراء تكنولوجيات اتصال معتادون على الغدوّ والرواح 
وهناك طبعا عيون البوليس والجمارك المبثوثة في كل زاوية تراقب الكلّ بأقصى ما تستطيع من اليقظة والدقة، مستعينة بكاميراهات المراقبة وأجهزة السكانار والكشف الدقيق وكلاب الشمّ المدرّبة والأسلحة ونواقيس الإنذار...  .
وهناك أنا في زاويتي المعتادة بهذا المطعم الذي أزوره في نهاية كل أسبوع، أقضي به الليلة حتى مطلع الفجر إلى أن غدا نادله المصري ومنظّفه البنغالي صديقين لي... من هذا المقعد بهذا المطعم في هذا المطار بهذا البلد من هذه القارّة، أطلّ على بلدي، أشمّ رائحة السفر وأعلّق القراءة أو الإبحار على الإنترنيت كلّما أعلن مصدح المطار عن وصول أو قرب إقلاع طائرة تونسية، أقف احتراما وحنينا كمن يحيي العلم...