jeudi 12 juin 2014

الشيخ والمريد


كم أفتقد الصديق الرّقيق والشاعر الفنّان عزوز الجملي في غربتي. لكنّني أستلهم من مناخاته الصوفية ما يساعدني على تحمّل هذه الغربة. أستحضر لقاءاتنا صباحات الأحاد الشتوية وجلوسنا في مقهى منتزه جابية زرّوق بمنّوبة إلى تلك الطاولة المعدنية الصدئة، فوق ذلك العشب المهمل، تحت تلك الأشجار العملاقة التي تذرو على رؤوسنا أوراقها، ونحن نستمتع بلسعات الرّيح الباردة التي تعزف سمفونية تؤلّف بين حفيف الأوراق ونحيب الأسلاك الكهرباية، ونترشّف تلك "الكابوسّانات" الباردة. كنت أنصت إلى حديثه الساحر عن أزهار حديقته البرية وعن احترامه لحقّ أعشابها في النمو الطبيعي دون تدخّل ولا تشذيب، أو لحديثه عن سلحفاة البيت، ذلك الحيوان الحكيم والمعمّر...
أذكر كيف سألني ذات لقاء عن طالبة تدرس عندي. فأجبته بأنّها هادئة ومصغية، مستقلّة في الرّاي دون تبجّح أو مغالاة. ابتسم بارتياح كحكيم صيني وعلّق: "كانت إحدى تلميذاتي في الباكالوريا. وأنا سعيد أن أسمع منك هذا الكلام عنها." ومنها، وجدنا أنفسنا نتحدّث عن علاقة المعلّم بالمتعلّم. وكان عزّوز، بعمق حكمته ولباقة عبارته، يثير تفاصيل غاية في الأهمّية لا يلبث أن ينزّلها في سياقها العام ليؤسّس عليها فكرة نظرية. أذكر أنّه قال لي "يقوم التدريس على نماذج عديدة لعلاقة التلميذ بأستاذه. فهناك نموذج الشيخ والمريد المؤسّس على الاقتناع العميق لدى المريد بشيخه وملازمته حتى يصير يسير على خطاه ويقلّده في كل شيء، بما في ذلك السلوك والهيئة واللباس والنبرة والحركة. وهناك نموذج العرف والصانع (الأسطى والصبي عند المصريين) المؤسّس على التلقين القاسي والأشغال الشاقة والطّاعة العمياء، لكنّه لا يخلو من عاطفة أبويّة مخفية تجنّبا للدّلال المضرّ بعمليّة التعلّم. وهناك نموذج القائد العسكري والجندي المبني على السلطة باتجاه واحد. قال عزّوز أنّه يمقت نموذج الموظّف الذي يسجّل الحضور والغياب ويضخّم من قيمة الامتحان حتّى يصير عبئا على التلميذ وسببا في فشله. واعتبر أنّ الأهمّ من المعرفة التي يتلقّأها التلميذ هو المناخ الذي يتم فيه ذلك التلقّي. فمن خلاله يتربّى التلميذ على قيم ويبني فكرا.
يحيلني هذا إلى علاقة صديقي رضا الشمك أستاذ الموسيقى بطلبته... أذكر أنّه ثار على طالب مقرّب منه وقّع على عريضة تشكوه لدى إدارة المعهد العالي للموسيقى بتونس، بسبب كثرة تغيّبه عن حصّة درس آلة العود. والحقيقة أنّ شاماكو كان يمقت أن يقضّي ساعة كاملة مع طالب جامعي في قاعة خانقة وهو يعلّمه كيف يمسك مقبض العود والريشة وكيف يعزف. كان بالفعل كثير التغيّب عن تلك الحصص، ولكنّه في المقابل كان كثير الإنصات إلى طلبته، محبّا للعزف معهم. وكانوا متأثّرين به ومبهورين بشخصيته كفنّان، فتراهم يسعون إلى الاقتراب منه وملازمته للاستفادة منه. كان شيخا بين مريديه. فهل يجوز التظلّم من غياب أستاذ يكون قد تغدّى مع طالبه وجالسه في المقهى ثمّ تعشّى معه وأطلعه على عالم الليل ومناخاته وعرّفه بالمثقّفين والفنّانين فجالس الفيلسوف والصحفي والناقد والرسام والنقابي والهامشيين، وسهرا سويّا إلى الفجر فعزفا وأنشدا ورقصا في ضوء القميرة ونورها وعلى البحيرة وشكلها، ودعاه في الهزيع الأخير من الليل إلى النوم في بيته؟ حزّ في نفس الشمك كيف أنّ ذلك الطالب الجاحد الذي لم يكن من المريد في شيء لم يدرك أنّ أستاذه قدّم له في 24 ساعة ما لا يمكن أن يقدّمه له في ساعتين أسبوعيتين على مدى السنة الجامعية. وزاد من حنقه على طالبه أنّه وجد القدرة على الابتسام في وجهه وتحيّته بنفاق. ألقى الشاماكو بعوده الثمين أرضا وراح يرفسه رفسا وهو يرغي ويزبد ألما من هذا اللؤم والنفاق. ونظر إلى الطالب وقد خنقته العبرات قائلا: "من اليوم، لن تفرح منّي بنظرة، لن أفتح لك قلبي بعد اليوم أبدا" وتلك أقصى عقوبة يمكن أن يسلّطها الشيخ على مريده.
يقودني هذا بدوره إلى الحديث عن المشرف على أطروحتي في الدكتوراه شيخي الجليل "جون ميشال سالان" الذي عرفته في سن متأخرة وقد تجاوزت الثلاثين من عمري ولكنّه كان إشراقة نور في حياتي.
كان شيخي ومرشدي يشغل مكتبا مقابلا للقاعة المخصّصة لطلبة الدكتوراة بالجامعة. يصل كل صباح في نفس التوقيت إلى الجامعة ملفوفا في جمّازته الصوفية غير المكوية وسرواله القطني المكمّش وهو يراوح النط بين قدمه اليسرى واليمنى على قفّازته الحمراء. كان ذلك أسلوبه في استغلال الوقت كأفضل ما يكون. يضرب سربا من العصافير بحجر واحد وهو في طريقه إلى الشغل، حيث يمارس الرياضة ويفكّر ويستمتع بالطبيعة في فصولها الأربعة ويحافظ عليها من التلوّث. لمّا يصل أمام باب الجامعة، يطوي العجلة القفّازة في جرابه ويعلّقها على كتفه ثمّ يصعد درجات المدخل بهدوء راهب بوذي زاهد في الدنيا. مكتبه معتّم وغير مرتّب تسيطر عليه رائحة الورق والرطوبة وتتكدس على طاولته الكتب والتقارير، ينتصب فوقها فانوس ملوي العنق مركّزا ضوءه على ما يكون بصدد قراءته.
في تمام الواحدة، يغلق المكتب ليتغدّى ممّا يكون قد جلبه من بيته. وفي تمام الرابعة ينزل إلى المشربة ليتناول من الموزّع الآلي علبة كوكاكولا يترشّفها وهو يتفرّج على من يكون بصدد لعب كرة الطاولة من طلبة الدكتوراة. ثم يستأذن في أخذ دوره للّعب نصف ساعة لا تزيد حتّى يصرف سكّر علبة الكوكاكولا وبعض الضغط الحاصل من العمل، ثمّ يعود إلى مكتبه كي لا يغادره إلاّ عند التاسعة ليلا وهو ينط على قفازته مدندنا أنغاما من مقاطعة بريطانيا الفرنسية، جهة منشئه.
ظللت أتهيّبه حتّى صادف أن قدّمت في نهاية السنة عرضا عن تقدّمي في إنجاز أطروحتي. كان موقفا مهيبا لي أن أعرض أدبيات بحثي أمام الدكاترة من أعضاء مخبر البحث في علوم المعلومات، حتى أنّ حلقي جفّ وصوتي هرب منّي فأصابني الخرس وعجزت عن التنفّس. وكان أن اعتذرت عن المواصلة وانسحبت بعد خمس دقائق فقط. حصل ذلك في إطار لقاء سنوي ينظمه مخبر البحث الذي أنتمي إليه ليقف على تقدّم مختلف الأعمال البحثية ويرسم خطة العمل للسنة الموالية. اعتاد مخبر البحث أن ينظّم ذلك اللقاء السنوي في أحد القصور التراثية القديمة المنتشرة في الريف الفرنسي والتي حوّلها مالكوها إلى بنسيونات واستراحات سياحية رائقة. صعدت إلى غرفتي وحبست نفسي داخلها معرضا عن النزول إلى المطعم وقت الغداء، حتّى رنّ جرس الهاتف لأجد شيخي على الخط يطلب مني النزول للتحادث معي. وجدته بانتظاري أسفل الدرج خارج المطعم وقد جلب معه كيسا من البلاستيك فيه ما تيسّر من الأكل جمعه بنفسه من المطعم، ثم دعاني إلى فسحة في الروابي الخضراء الخلاّبة والمحيطة بالقصر حيث البحيرات الصغيرة التي يسبح فيها الإوز. لم نمش كثيرا ونحن صامتين حتى وجدنا كرة مطّاطية مهملة فوق فسحة من العشب المنبسط. قال لي دون تردّد: "سبع تصويبات بسبع تصويبات وسنرى من الرّابح". ودون أن ينتظر جوابي استوى واقفا بين حجرين اتّخذ منهما مرمى وطلب مني أن أسدّد. كان رجلا خمسينيا يلبس نعالا من أحزمة جلدية تكشف عن جورب قطني سميك تحتها. وكنت في الثلاثينات من عمري بحذاء رياضي جيد. سدّدت وسدّدت وكان يرتمي ذات الشمال وذات اليمين ويصرخ كطفل محتجا على عدم احترامي لمسافة التسديد. لم يكن له من همّ سوى إضحاكي لإخراجي من حزني. بعد ذلك دعاني إلى الأكل وهو يرمي بعض حصوات في البحيرة محدثا إيقاعا رتيبا. لمّا قفلنا راجعين ناولني سيغارا رفيعا من التبغ الكوبي وقال لي في نبرة آمرة تنضح عطفا أبويا صادقا "ستعيد تقديم العرض بعد الغداء يا جلال، وسيمرّ كلّ شيء على أحسن ما يرام" وذاك ما كان.
لمّأ فرغت من إنجاز أطروحتي، عرضت عليه المسودّة للنظر فيها، فقال لي سأقرأها في العطلة الصيفية وأمدّك بملاحظاتي حال عودتك من تونس. ولمّا عدت، قال لي لقد رافقتني أطروحتاك أنت وكريستين في جولتي على ظهور الحمير عبر جبال البيريني التي تفصل فرنسا عن شبه الجزيرة الإيبيرية طيلة العطلة. استحيت من نفسي وأنا الذي قضّيت عطلتي أشرب البيرة وآكل الدلاّع البارد (البطيخ) وأنام كالخنزير في بيتنا..
بعدما ناقشت أطروحتي بامتياز، وعلم بنيّتي البقاء في فرنسا وعدم العودة إلى تونس، استدعاني إلى مكتبه ودخل في الموضوع دون مقدّمات: "الجامعي الحقيقي لا يبحث عن الرفاه وسهولة العيش. الجامعي مسؤول عن إنتاج المعنى، وأوّل ما يجب أن يؤثّثه بالمعنى هو حياته الخاصّة. فلا تكن كالكثيرين ممّن يستكينون إلى رفاهية الحياة ويهربون ممّا يمكن أن يعطي حياتهم معنى. هؤلاء ليسوا جامعيين. هؤلاء مهاجرون عاديون. أمّا أنت فجامعي ومكانك هناك، في تونس. بلدك في حاجة إليك، أمّا فرنسا فلا تحتاجك، لأنّ لها المئات من أمثالك. أيّ معنى سيكون لحياتك هنا في فرنسا؟ أنا لن أحملك عبئا على كتفيّ لو بقيت هنا، ولكنّني أريد بك خيرا. عد إلى تونس" وكان أن عدت عملا بنصيحته لما لمسته فيها من صدق وعمق.
بعد خمس عشرة سنة قضيتها في تونس زاهدا في وسخ دار الدّنيا، منصرفا إلى تأثيث حياتي المهنية بما استطعت إليه سبيلا من المعنى، جاءني عرض للعمل مدرّسا بكلّية خاصّة في سلطنة عمان. ولّما فشلت في الاتصال بمعلّمي وصديقي عزّوز الجملي لاستشارته في الأمر، زارني في منامي وهو يمتطي ظهر حمار بجبال تالة مرتديا جمّازة صوفية رثّة ورافعا سبّابته في شكل تنبيه وتهديد "المهمّ أن لا تنسى تأثيث حياتك بالمعنى أينما كنت..." كان الوجه وجه الشيخ عزّوز والصّوت صوت الشيخ "جون ميشال سالان"