vendredi 20 juin 2014

سحر المذياع


أيام التعاضد ومصادرة أراضي الفلاحين الفقراء، كان صغار الملاّكين في الجريد يسارعون إلى بيع غاباتهم بما تيسّر. ولم تنجو غابة "قراب" التي كانت إرث سيدي وإخوته عن أبيه. كان نصيب سيدي من التفويت في "قراب" سنة 1969 ثمانين دينارا وخمس فردات ذهبية ومذياع من نوع فيليبس وبرنسا صوفيا.
وفيما كانت المرحومة تحلّي معصمها بالفردات وترهنها كلّما ضاق بنا الحال عند يمينة زوجة محِمّد اللواجيست أو مريم زوجة كريّم الخبّاز، كان يحلو لسيدي أن يلتف في برنسه الصوفي الذي لازمه طوال حياته حتى بلى واهترأ دون أن يقدر على تجديده. كان يحضن داخل البرنس جهاز الرّاديون كما كان يسمّيه ويفتحه على أعلى مستوى مباهيا الجيران بما يمكله، ويسرح في نومة القيلولة بفناء البيت تحت شمس جانفي.
ومن تحت تلافيف البرنس كان ينبعث صوت الزعيم بورقيبة ويتردّد في الأرجاء، فيبدو كأنّه هاتف سماوي، ويعقبه من حين لآخر صوت عبد العزيز العروي في البلاغات المحلية التي كانت عبارة عن جملة من البلاغات التي تبث باللغة العامية. وقد يتخلّل ذلك صوت المطرب الشعبي الكبير أحمد الخليفي عندما يغيّر سيدي المحطّة ليواكب برنامج "ألوان" لمحمّد الأخضر السائحي على الإذاعة الجزائرية... كان صوت أحمد الخليفي يزلزل بقوّة حتّى يبدو لكّانّه قادم مباشرة من وراء ربوة المنجم حيث تقع مدينة بئر العاتر الجزائرية... وكان التزاوج بين قوّة الصوت الصحراوي لأحمد الخليفي وتلك التطويحات الرومنسية للقصبة المرافقة له يغلّف روحي بإحساس مبهم من المتعة. حتى أنّ تلك الغمامة الرومنسية اللذيذة والمخدّرة لتطويحات القصبة كانت تجعلني أصرف النظر عن تشبيه صوت أحمد الخليفي بزئير الأسد... أمّا عن محمّد الأخضر السّائحي فكنت أقدّر في سرّي أنّه عرويّ الجزائر، أو ربّما كان العروي سائحيّ تونس... وفيما كانت الإذاعة الجزائرية تتحدّث طول الوقت عن الثورة الزراعية التي كانت تعني لإدراكي الطفولي اختباء الثوّار الجزائريين في المزارع، كان سيدي يسبّ الاشتراكية التي افتكّت منه ملك جدوده... كانت المرحومة تردّ عليه هازئة وهي تشنشن فردات الذهب في معصمها "الآن صار ملك جدودك عزيزا عليك؟ ألم تهمل ملك جدودك لتلتحق بالكبّانية؟ لولا التعاضد والاشتراكية ما كنت لتكسب هذا الرّاديون وما كنت أنا لأكسب الذهب" كان الرّاديون أثمن جهاز نملكه في البيت، ويأتي بعده بابور القاز... ليس من حق أحد أن يقترب منه أو يشغّله. استثناء وحيد كانت تتمتّع به المرحومة ليلة الإربعاء في الموعد الأسبوعي مع أم كلثوم. يومها تكون المرحومة في حالة غير عادية منذ العشية، فتعدّ العشاء باكرا وتفرش لنفسها بعيدا عنّا لتختلي بالمذياع وتختار المخدّة المناسبة لارتفاع المذياع حتى يصلها صوت كوكب الشرق مباشرة دون شوائب من شخير سيدي. والحقيقة أنّني أنا وإخوتي كنّا نستمتع أيّما استمتاع بمواويل الست وصداحها في ذلك الليل الساكت تحت تلك السماء السوداء المرصّعة بالنجوم... أمّا أنا فكانت تؤرّقني الرّغبة في أن أغافل يوما سيدي لأفتح الراديون من الخلف وأفهم كيف يمكن لكلّ ذلك الخلق من مطربين وسياسيين ومذيعين وممثّلين من تونس والجزائر أن يجتمع في مثل ذلك الصندوق الصغير.