mercredi 11 juin 2014

رسائل أضاعها البريد



الآن فقدت أي أمل في أن تصل رسالتاي الإثنتان إلى إيمان وإشراق. واقتنعت أيضا بأنّ أكفّ عن انتظار رسالة إشراق المرسلة إليّ من تونس منذ أكثر من خمسة أشهر لأنّها لن تصل أبدا.
هناك تقصير أكيد من إدارة البريد لأحد البلدين أو كليهما. من ينصفني إزاء هذا التقصير؟ بأي حق يقصّر هذا الجهاز في إيصال الأمانة وخنق خلجات طفلة كتبت بكل صدق وحماس لأبيها في الغربة ؟
قال لي الموظّف الأحمق لمّا أكثرت عليه من الاستفسار عن مصير الرّسالة "يا دكتور، نحن اليوم في عصر الأنترنيت والهاتف المحمول والسكايب والفايبر. بإمكانك أن تتحدّث إلى بنتيك كلّ يوم وبالمجّان. فلماذا الإصرار على الرسائل البريدية؟"
احترت كيف أجيبه ومن أين أبدأ إجابتي. فهل أحدّثه بمنطق حقوقي عن واجبات البريد وعن حقي في استلام رسالتي؟ أم بمنطق أخلاقي عن عدم حقه في التدخل في شؤون غيره والكفّ عن التطفّل؟ أم أشرح له أنّ المراسلة البريدية هي طريقتي لتدريب البنتين على التعبير والكتابة والقراءة ولتأثيث ذاكرتهما وتنشيط خيالهما؟ أم أجادله وأبيّن له كيف أنّنا نعيش مجتمع الانفصال بدل مجتمع الاتصال بسبب هذا التطوّر التكنولوجي الذي يتحدّث عنه؟

لكنّني استنكفت عن مناقشة مثل هذا الموظّف التافه وأنا لا أعرف ما الذي عليّ أن أفعله... فإشراق لا تفهم كيف ضاعت رسالتها، ولا تصدّق أنّني أرسلت لها رسالة ضاعت هي الأخرى. أمّا إيمان، فقد أصابها الإحباط بعدما أعلمت صديقاتها بالصف الدراسي بأنّها تنتظر رسالة قادمة إليها من الخليج وأنّها ستستلمها أمام أعينهم عمّا قريب من يد المعلّمة، وصارت تتطلّع كلّ يوم إلى وجه المعلّمة وهي داخلة إلى قاعة الدّرس عساها تفاجئها بالخبر السار. كيف سأعتذر لزوجتي التي لم تكن متحمّسة في البداية لفكرة توجيه الرسالتين على عنوان المدرسة؟ طلبت منها أن تأخذ إذن المعلّمة ومديرة المدرسة وتقنعهما بالفائدة التعليمية والتربوية من وراء العملية. كيف سأتصرّف إزاء حماس زوجتي والمعلّمة والمديرة بعدما تبنّين الفكرة وبنين عليها مشروع ورشة تعليمية عن فنّ التراسل وتاريخه من عصر الحمام الزاجل إلى عصر الأنترنيت، وورشة ثانية عن جمع الطوابع والبطاقات البريدية ؟ كانت رسالتاي ستشكّلان المادّة الأولية للورشتين.
قابلت مدير البريد المركزي بالدولة المضيفة، فأطلعني على طريقة عملهم وفسّر لي الحالات القليلة التي تضيع فيها الرسائل البريدية مؤكّدا على مسؤوليتي في شيئين. أوّلهما أنّه لم يكن من الحكمة ألاّ أكتب اسم المرسل على أحد وجهي الرسالة. وثانيهما أنّه كان من الأئمن إرسال الرسالتين بالبريد مضمون الوصول. قال لي أنّه أغلى ثمنا ولكنه أضمن. فكيف لي أن أفهمه أنّ الرسالتين موجّهتين إلى طفلتين في الصف الابتدائي ما كان يمكن إزعاجهما بإجراءات قانونية وإجبارهما على الاستظهار ببطاقات هوية لا تملكانها وبالتوقيع على الاستلام...
في 1994، سافرت إلى فرنسا للدراسة وأرسلت من هناك رسائل إلى بنات أخواتي فوصلت الرسائل وأثّرت عميقا في شخصيات البنيات اللواتي صار بعضهنّ اليوم أمهات وبعضهنّ متخرجات من الجامعة. أزعم أنني ساهمت في تأثيث خيالهن وذاكرتهنّ. وهن مازلن يحتفظن بالرسائل إلى اليوم، ويستظهرن بها بكل فخر في مناسبات الأعياد عندما يجتمع شمل العائلة.
ترى ماذا قالت لي إشراق في رسالتها الضائعة؟ وكيف كان خطّ كتابتها؟ أكيد أنّها اعتنت به أيّما عناية. لا أشك في كونها اجتهدت لإيجاد أفضل الصيغ المعبّرة عن افتقادها لي. قد تكون تنتظر إجابتي على أسئلة طرحتها لي عن مناخ هذه البلاد التي أعمل فيها وعن عادات أهلها. أكيد أنّها تخيّلت ساعي البريد وهو يطرق باب بيتي ليسلّمني الرسالة ثم كيف دفع بها من تحت فتحة الباب عندما لم يجبه أحد.
قلت في رسالتي إلى إيمان أنني أتخيّلها مذيعة أخبار تلفزية عندما تكبر، لأنّ لها وجها "تليجينيك" وشرحت لها معنى تليجينيك... ومن ثمّة تخلّصت لأحدّثها عن أسطورة نرسيس عاشق صورته، ذلك الفتى الذي كان يتأمّل جمال وجهه في صفحة ماء البحيرة حتى زلّت قدمه ذات يوم فسقط في البحيرة وتحرّكت صفحة الماء فتكسّرت المرآة وغاب وجهه.
قلت لإشراق في رسالتي كيف أنّ العشب هنا بلاستيكي وليس طبيعيا وسكّريا كذلك الذي كنّا نتمرّغ فوقه في منوبة... وكيف أنّ الأشجار هنا شوكية ولا تتدلّى منها حبال نتّخذ منها أرجوحات كتلك التي تتدلّى من أمّ الأشجار في حديقة البلفيدير
أيها المسؤولون عن البريد، أريد رسالتيّ ورسالة إشراق إليّ. من يحفظ حقّي وحقّ بنتيّ. سأشتكيكم إلى الاتحاد الدولي للبريد... وليكن أن تظل شكواي دون نتيجة، فسأضيفها إلى أرشيف الشكاوى غير المستجابة... أليست الشكوى لغير الله مذلة؟