dimanche 13 juillet 2014

الدمى البلاستيكية

درست الموقع جيدا قبل أن يستقرّ عليه اختيارها. هو عبارة عن ساحة ظليلة فسيحة ليس لها شكل هندسي واضح. في ناحيتها الغربية يقع مستشفى كبير يؤمّه الناس من كامل أنحاء البلاد ومقهى شعبي ومحلّات لبيع الملابس الجاهزة توجد خلفها حانة صغيرة. وفي الناحية الشرقية للسّاحة، تقع محطّة للمسافرين حذوها مسجد وبعض محلاّت لبيع الأكلات الشعبية وموزّع للأوراق المالية.
قدّرت أنّ تنوّع الأنشطة والفئات البشرية التي ترتاد المكان يتيح لها فرصا متنوّعة للحصول على المال. فإذا لم يرأف بها المصلّون فقد يحنو عليها السكارى. وإذا قسا عليها كلاهما فقد يكون لدى أقارب المرضى استعداد للدفع عسى الله يرأف بمرضاهم ويشفيهم. هذا عدا عن المسافرين وروّاد المطاعم الشعبية.
والأصل في عملها أن لا تظلّ ثابتة في مكان واحد، حيث تنتقل في الفضاء حسب كثافة المتردّدين على هذا المكان أو ذاك. ولكن هناك أوقات معلومة تختصّ بها أماكن دون غيرها. فقد كانت تستهلّ عملها بدورية صباحية في محطّة المسافرين قبل انطلاق السفرات الأولى، داعية للمسافرين بالسلامة في طريقهم، وهو ما يكون عادة كافيا لجعلهم يدسّون أيديهم في جيوبهم وإعطائها ما تيسّر طالما أنّ كلامها عن السلامة يوقظ في أذهانهم صور الحوادث المريعة والخوف من الموت. وتنتصب أمام المسجد بعد كل صلاة عند انصراف المصلّين. أمّا المستشفى، فيكون دوره في أوقات زيارة المرضى وله دعاؤه الخاص به، ويكون دور الحانة بعد صلاة العشاء حيث يكون السكر قد تعتع أغلب الحرفاء وصيّرهم أكثر حنانا وكرما. ولكن للظروف المناخية أحكامها، حيث يضطرّها اشتداد وطأة الشمس أو غزارة المطر أحيانا إلى الالتزام بمكان ظليل أو مسقوف. وكانت تدس صدقات كلّ صنف في جيب خاص وتتسلى بحساب مكسب كلّ فئة وتصنيفها حسب كرم العطاء. وقد أدركت من خلال تجربتها الطويلة أنّ السكارى هم أجزل المحسنين عطاء والمصلّين أكثرهم بخلا...
بعد الثورة، أغلق صاحب الحانة محلّه لخوفه من أصحاب الجلابيب واللحيّ الذين كانوا حرفاء أوفياء عنده يصرفون في محلّه كل ما يكسبونه من نشل المسافرين والمتردّدين على المستشفى وسرقة أمتعتهم. كان يربطه بهم اتفاق يلتزمون بمقتضاه بعدم التعرّض إلى زبائن المحلّ بالسرقة أو العنف ولهم في المقابل أن يبيعوا داخل المحلّ الهواتف المسروقة والساعات والقلادات والنظارات. لكن، ها قد صاروا يبيعون المسك والعنبر والكتب الصفراء والبخور والمسبحات والجلابيب والنقاب على رصيف المسجد.
كانت الصبيّة تعتبر التسوّل مهنة ولا ترى لنفسها مهنة سواه لا قبل الثورة ولا بعدها. ولكنّها ظنّت أنّ الثورة ستحسّن من ظروف ممارسة المهنة كأن تصير للمتسوّلين بطاقات مهنية أو نقابة تكفّ عنهم أذى الشرطة والبلطجية الذين يبتزّونهم ويتقاسمون معهم مداخيلهم، أو كأن يتمّ تمتيعهم بالتغطية الصحية. حتّى أنّها فكّرت أن تشارك في برنامج "الحقيقة الحقيقية" الذي تبثّه "قناة باعث القناة" المهتمّة بالفقراء لتطرح على المشاهدين المشاكل المزمنة للقطاع، وربّما جازفت بالإعلان عن تكوين النقابة من خلال البرنامج.
كانت حقيقة أنّ ثورة الفقراء قد فاقمت فقر الفقراء تؤرّقها وتسبّب لها انقباضا نفسيا مزمنا. فليس فقط أنّ أبسط أحلامها غير قابلة للتحقّق، ولكن حتّى وضعها السابق للثورة قد تقهقر بشكل موجع. فها هو القسم الأكبر من السكّيرين الكرماء قد التحق بصف المصلّين البخلاء وتحوّلوا من نشّالين مرحين إلى باعة سلع دينية شرسين وغلاظ ينهرونها طول الوقت بعدما كانوا يمازحونها ويساعدونها، وهاهم المرضى وزائروهم بدورهم قد كفّوا عن التقرّب إلى الله بالصدقات على المتسوّلين.
هكذا صارت تكتفي بالجلوس القرفصاء عند موزّع الأوراق المالية، تصرف وقتها بين ترصّد ساحبي الأموال وتأمّل الدمى البلاستيكية التي ترتدي الملابس المعروضة في الواجهات البلّورية. وكان ينتابها شعور بأنّ تلك الدّمى أكثر كرامة منها فتتمنّى لو كانت مكانها. لا تجوع ولا تمدّ يدها، ساكنة في فضاءات آمنة ودافئة ولمّاعة، يأتيها ذلك الشاب الوسيم العامل بالمحلّ فيداعب رقابها وخصورها ووجوهها وينظّفها ثم يغيّر لها بين الحين والآخر ملابسها النظيفة الأنيقة بملابس أخرى أنظف وأحدث. كانت تغمض عينيها لتتخيّل ذلك الشاب يداعبها هي ويلبسها هي. وقد كانت نظرات الشاب الناعمة وابتساماته الودودة باتجاهها تؤجّج خيالاتها. فتغمض عينيها مجدّدا وتسهو عن مراقبة موزّع الأوراق المالية...
وخلال تلك الغمضة، ترى نفسها عروسا تزفّ لذلك الشاب الذي يجلب لها جميع ملابس الدمى البلاستيكية هدايا مرتّبة في حقائب. وترى نفسها تدغدغ سبّورة موزّع الأوراق المالية فيحشرج لحظات ثم يمدّ لسانه بضمّة من الأوراق الجديدة والمصفوفة بعناية، فتسحبها وتضعها في جيبها دون أن تعدّها... لكنّها لا تلبث أن تفتح عينيها من جديد لتعود إلى ما هي فيه، فتراوح النظر بين الواجهات البلّورية والموزّع الصامت قبل أن تغيّر المكان. وفي عبورها أمام الموزّع لا تنسى أن تسحب من أعماق أعماقها بصقة ثقيلة تقذفها على لوحة أرقام الموزّع، وترفع رأسها باتجاه كاميرا المراقبة مادّة لسانها في تحدّى...