mercredi 14 janvier 2015

الشهداء في سوق المزاد

في كل مناسبة وطنية، تنشط بورصة شهداء الثورة وجرحاها ويرتفع المزاد السياسي والحزبي والجهوي والمادّي فيخرج علينا أقارب الشهداء ملوّحين بصور أبنائهم الذين نالهم شرف الاستشهاد متنافسين في تضخيم حجم هذه الصور حتى أفقدت أبناءهم وجههم الإنساني وحوّلتهم إلى غيلان وتنانين مخيفة تهدّد بابتلاع الجميع...
يُدْفًعُ بأقارب الشهداء وأغلبهم من المواطنين الفقراء إلى الصفوف الأولى من المزاد ليردّدوا في مشهد مذل: "نحن لا نطالب بشيء سوى حق أبناءنا"، ولكن لا أحد منهم يقول لنا ما هو حق أبناءهم بالضبط؟ بينما يتكفّل من وضعهم في ذلك الموقع بالمزاد السياسي ويصمّ أذاننا بلغة خشبية عن هذا الملف الحارق وعن قداسة دم الشهداء ويذرّ على كلامه توابل من معاناة أهل الشهيد لترفيع المزاد.
ولنقلها صريحة وواضحة: "الشهادة ليست ريعا أو وقفا (حْبُسْ) حتى تتمّ المطالبة بمرددودها بهذا الشكل الرّخيص. وقد جرّب التونسيون ثقافة الريع الاستشهادي من نوع مقايضة الشهادة برخصة "قمرق دخّان" و"رخصة بيع الشراب" و"رخصة اللوّاج"، إلخ.
من استشار الشهيد في المزايدة بدمه؟ من يملك تفويضا من شهيد للحديث باسمه، أو بوثيقة تثبت أنّ شهيدا أوصى له بمردود استشهاده؟
دعنا من المفهوم الدّيني للشهادة لأنّه يغلق النقاش قبل أن يبدأ. فالشهداء من هذا المنظور أحياء عند ربّهم يرزقون. والشهداء مجاهدون في سبيل الله جزاءهم الجنّة.
من هو الشهيد؟
إنّ الشهيد شخص دفع حياته ثمنا لفكرة أو مبدأ
نبيل وجماعي كالحرية أو الكرامة إلخ. وبالتالي، فما يأتي على رأس حقوق الشهيد هو تجسيد المطالب التي استشهد من أجلها واستدامتها وحمايتها. ويتّخذ الاستشهاد معناه الأقصى بما هو تنازل من الشهيد عن حقّه في الحياة من أجل أن "يرى" الفكرة التي حلم بها وضحّى من أجلها مجسّدة لفائدة غيره. لذلك ترقى تلبية مطلب الشهيد إلى درجة الواجب السياسي والقانوني والأخلاقي الملقى على كاهل المجموعة الوطنية.
ويبقى من مصلحة المجموعة الوطنية تجاه نفسها حتى لا تصاب بالعار التاريخي وبالسكيزوفرينيا، أن لا تخدش سعادتها بوفاءها لشهداءها، هذا إذا وفت لهم، بمشهد إذلال أهلهم وتركهم لحالهم. فتكريم أهل الشهيد هو من تكريم الشهيد نفسه.
لكنّ الشهيد الذي قال صراحة ما يقبل به كمقابل لحياته وهو الحرية والكرامة لشعبه لم يقل بنفس الصراحة إن كان ينفّل أهله، الذين هم جزء من شعبه يفترض أن يشملهم ما يطالب به لشعبه ككل، بتكريم إضافي. وإذا تبيّن العكس، فما هي طبيعة هذا التنفيل ومقداره؟ لذلك تبادر الدولة بما هي الإرادة الجماعية المحض إلى فكّ هذا الغموض بآلياتها الوضعية والموضوعية، فنراها تقدّر مبلغا تسنده لأهل الشهيد ممّن يفترض أنّ الشهيد عائلهم وبالتالي قد تضرّروا من غيابه، فتتكفّل الدّولة بذلك العبء وهو واجبها.
ولكن عليها قبل ذلك أن تجد آليات عادلة لضبط قائمة الشهداء. فكيف نقصي منها مثلا من سقطوا ببوليس بن علي في انتفاضة الحوض المنجمي وندرج فيها أعوان شرطة سقطوا أثناء أداء عملهم؟ أليس لكلّ مهنة أخطار يمكن أن تعرّض ممارسها للموت؟ هل تذكرون تلك الحركة المتهافتة التي قام بها نائب آفاق تونس نعمان الفهري في الجلسة الافتتاحية للمجلس التأسيسي عندما تلا قائمة بأسماء شهداء الثورة لا أحد يعرف من أعدّها ولا كيف، وما عقب تلك المهزلة من احتجاجات؟ أين ذهب تقرير لجنة بودربالة عن ضحايا الثورة؟ ولماذا لم ينشر على نطاق واسع؟ أين تقرير لجنة شهداء الثورة وجرحاها برئاسة يمينة الزغلامي نائبة المجلس التأسيسي عن حركة النهضة ؟ هل تذكرون كيف ازدهرت سوق للشهائد الطبّية التي كان يسلّمها أطبّاء مرتزقة لجرحى ثورة مزعومين؟ هل تذكرون كيف اعتقد سمير ديلو وزير حقوق الإنسان أنّه سيوقف النزيف ويحسم الأمر عندما حدّد فترة زمنية للانتماء لقائمة شهداء الثورة فقام عليه أهالي شهداء الحوض المنجمي؟؟ إنّ مدار كلّ هذه التجاذبات إنّما هو في المقام الأوّل الرّيع الذي سيجنيه من لم يستشهدوا...

تعالوا ننظر كيف تكرّم الشعوب بمختلف ثقافاتها وأنظمتها شهداءها
ما إن يستشهد الشخص، حتى يكف عن كونه فردا له هوية شخصية وانتماءات دموية ليتحوّل إلى رمز وطني وأمانة تاريخية مقدّسة. وهذا معناه أنّ الشهيد ليس ملكا ولا إرثا لأسرة أو قرية أو قبيلة. لهذا، فمن واجب الوطن برمّته عدم الإساءة لرموزه. وهذا معناه أنّ واجب احترام الشهيد ملقى بنفس القدر على الدّولة كما على أقارب الشهيد. فهو ليس شهيدهم لوحدهم.
إنّ المعنيّ بالتكريم إنّما هم الشهداء أوّلا من خلال التكريمات السياسية التي يجسّدها الوفاء للقيم والمبادئ التي استشهدوا من أجلها، وتحديد المسؤوليات في قتلهم وكشف الحقيقة عن ظروف استشهادهم. وهناك التكريمات الرّمزية مثل إحياء الذكريات وإسناد الأوسمة وإطلاق أسماءهم على الشوارع والساحات العامّة، وهناك التكريمات العلمية مثل التوثيق وإصدار الكتب وعقد الندوات وتعليم الأجيال تاريخ ثورتهم وتعريفهم بشهداءها. وهناك التكريم المادّي بحفظ كرامة أسر الشهداء وأبناءهم بعيدا عن المغالاة والجشع والابتزاز.
ويبقى أفضل تكريم ينهي المزايدة ويعيد كلّ شخص إلى حجمه الحقيقي وهو شعار "من يكرم الشهيد يتّبع خطاه"