mercredi 14 janvier 2015

Je suis Charlie, je suis Chaplin

لمّا لعلع الرّصاص فجأة مع الساعة الثالثة أو يزيد وأطلقت قنابل الغاز فحيحها لتغمر الجوّ بدخانها الأبيض الكثيف والمسيل للدّموع، جرى المتظاهرون بشارع بورقيبة في كل الاتجاهات لا وجهة محدّدة لهم... كان الجميع يجري بسرعة جنونية كما لو أنّهم في شريط من أشرطة شارلي شابلن... وكان ما بقي مفتوحا من المتاجر يصدّ اللائذين به فينزل الأبواب المعدنية اللولبية في عنف محدثا قرقعة تؤجّج الخوف وتبثّ الرّعب. كان الناس يهربون إلى مرابض السيارات وإلى مداخل العمارات. وكما لو كنّا قد ضربنا لبعضنا موعدا هناك، التقينا في الطابق الأوّل من 22 مكرّر نهج القاهرة... كان لابدّ من تعميد ذلك العنوان المناضل بعبق الثورة، ذلك العنوان الذي طالما ناله شرف مراقبة البوليس السياسي... 
أتحدّث عن مقرّ الجامعة التونسية لنوادي السينما التي كانت قد اختارت خندقها من زمان، وقطعت على نفسها عهدا منذ ولادتها بأن لا تتذوّق فنّا يدير ظهره للوطن ولكادحيه... كيف التقينا هناك؟؟ وما الذي جمّعنا؟؟ بعضنا لجأ هناك كمن يحتمي ببيته مصطحبا أصدقاءه، والبعض الآخر رآنا نلجأ هناك فاطمأنّ لمظهرنا وتبعنا كمن يلجأ إلى مسجد أو سفارة... في بهو الطابق الأوّل، التقينا كما لو كنّا نعرف بعضنا من زمان... عمّال وبطّالين وطلبة... ولكن أيضا أمّهات مرفوقات بأبنائهنّ وبناتهن وفنانين وصحفيين... لم نتعجّل خلع الباب لأنّنا كنّا موقنين بأنّ أحد أعضاء الجامعة لن يتأخّر في القدوم لإيوائنا... ولم تتأخّر رئيسة الجامعة في الحضور... فتحت المقرّ آليا وكنّا قد اتخذنا الخطوات التنظيمية الأولى بشكل آلي أيضا: خفض الأصوات وتجنّب غسل الوجه بالماء لعدم تأجيج مفعول الغاز... وكانت جارة الطابق الأعلى قد أمدّتنا بقارورة كوكاكولا تلقفناها لنبلّل بها وجوهنا ونطفئ وخزات الغاز... والبقية إعلان فوري لحضر الجولان ترتّب عنه بقاؤنا محتجزين بالمقرّ.... كنّا ثلاثين أو نكاد. كانت إحدى الحاضرات تتوسّل إلينا طول الوقت أن نخفض أصواتنا المخفوضة أصلا. ورغم مبالغتها في محاصرتنا إلاّ أنّها كانت محقّة نوعا ما بعدما اخترقت زجاج القاعة عبوة غازية أصابت الجدار المقابل فاحتفظت بها سعيدة وسامم شرف للجامعة. كان وقع أحذية فرق التدخّل وهم يصعدون درج العمارة الهرمة يرجّ الجدران ويصيبنا بالشلل والخرس. وكنّا نسمع زخّات الرّصاص ونتابع أصوات المطاردات والسباب وأقذع القول في مربض السيارات المقابل للعمارة. أسدل الليل ستارته على المدينة وأيقنّا أنّنا بائتون هناك لا محالة. فانصرف الفضاء المعتّم يساعدنا بما يستطيع على هزم الوقت والبرد والجوع. وفيما جنح البعض إلى المكتب الداخلي حيث يحفظ أرشيف الجامعة، فتكوّروا في الزوايا وتوسّدوا حافظات الأرشيف، بقي أغلبنا في القاعة الرئيسية المطلّة على الشارع متحلّقين حول طاولة الاجتماعات... هدأت الجلبة في الخارج، وبدا واضحا أنّ البلاد تشدّ أنفاسها إلى القنوات التلفزية والإذاعات التي كانت تبثّ بيان الثلاثي الذي يسعى جاهدا إلى إنقاذ بن علي. أذكر كيف تحلّقنا حول مذياع الهاتف الجوّال للصديق الصحفي عمر الغدامسي، وكيف تناقشنا كثيرا عن السرّ من وراء اعتماد الفصل 56 بدل الفصل 57 من الدستور لتولية الوزير الأوّل نيابة الرّئيس المعلّق في السماء على متن طائرة أشيع أنّ فرنسا رفضت هبوطها على أراضيها، وذلك بدل رئيس مجلس النوّاب الذي كان تكليفه سيعني أنّ الشغور نهائي وليس مؤقّتا.
كنّا في الأثناء نتغذّى من قطع السكّر التي نتقاسمها بعدل، وبوليمة افتراضية أعدّتها لنا الحاجة أمّ أمين بلسان أمهر من يدي أشهر الطهاة.
في الصباح، كانت تلك الشابة التي تعيش في فرنسا أوّل المغادرين بعدما اتّصل بها زوجها المحتجز في عمارة مجاورة بشارع باريس وطمأنها على إمكانية الخروج. بعدها وصل والد الشقيقتين المراهقتين من المنزه السابع وحيّانا بحرارة قبل أن يصطحب بنتيه. وتتالت المغادرات في شكل تسرّبات سريعة، حتى لم يبق في البيت سوى أبناء الجامعة. ولم تُدِرْ سعيدة الشريف المفتاح في قفل باب الشقّة إلاّ بعد مغادرة آخر فرد. نزلنا الدرج لنمدّ رؤوسنا متطلّعين إلى الخارج فلم نلمس للحياة نبضا في نهج القاهرة. مشيت كالنائم باتجاه مربض السيارات بنهج المختار عطية، ولا شيء في دماغي غير صورة ضوء الشمس التي غمرت مقر الجامعة. كانت شمسا غير عادية بضوئها الذهبي الساطع والمنعكس على معلّقة شريطthe Kid  لشارلي شابلن. وابتسمت إذ تخيّلت نفسي ألتفت باتجاه بلكونة الشقة لأرى شارلي شابلن يلوّح بعكّازه راقصا... لابدّ أنّه انتظر مغادرتنا القاعة ليغمز صديقه الطفل داعيا إيّاه إلى الرقص على طاولة الاجتماعات نكاية في الشرطي الذي توقّف عن مطاردتهما وظلّ جامدا داخل إطار الصورة.....