lundi 2 février 2015

مضيّفة السينما

يحكى أنّ شخصا مصابا بالاكتئاب قصد طبيبا نفسانيا للعلاج فنصحه بارتياد سرك يقدّم فيه مهرّج موهوب نمرة مسلّية جدّا قد تساعده على الشفاء، فأجابه المريض "أنا هو ذلك المهرّج يا دكتور"


من طقوس الفرجة السينمائية عند الناس في هذا البلد الأحمق أن يقزقزوا حبوب عبّاد الشمس، وأن ينزعوا أحذيتهم لإراحة أقدامهم النتنة ويرشقوا ركبهم في ظهور الجالسين على المقاعد الأمامية، وأن يدخّنوا داخل القاعة، وأن يختلوا بحبيباتهم في زواياها المظلمة، وأن يعلّقوا على المشاهد والأحداث بأصوات عالية، وأن يصفّقوا على البطل في إنجازاته الباهرة... أمّا هو، فمن طقوسه الوصول متأخّرا كي تستقبله بهرة الضوء في العتمة تتراقص بيد المضيّفة اللّعوب التي يسمع صوتها ويشمّ رائحة عطرها دون أن يتبيّن لها ملامح. هي عنده جزء من الشريط، كأنّما هي طيف يخرج من جوف الشاشة المسطّحة لاستقباله وإجلاسه ثمّ يختفي في زحمة الأحداث وعتمة القاعة. تسحره لمسة يدها وهي تتسلّم منه التذكرة ليدسّ في راحتها قطعة نقدية من فئة نصف دينار فتضغط على يده شاكرة وتكافئه باختيار مكان مريح وتوشوش في أذنه قبل أن تتبخّر في الظلام متمنّية له فرجة رائقة فيكاد يتبعها من فرط انجذابه إلى رائحة عطرها الشعبي الرّخيص... عندما ينتهي الشريط وتشتعل في القاعة الأضواء، يتأخّر في المغادرة ويظلّ يبحث عنها بأرنبة أنفه عساه يتعرّف عليها من رائحة عطرها حتّى تظهر المنظّفة الشمطاء من بعيد تأمره بمغادرة القاعة.
لمّا وقف ينتظر الحافلة في محطّة شارع جون جوريس، رأى المنظّفة القبيحة الشمطاء قادمة لتقف إلى جانبه منتظرة حافلتها... وكانت تفوح منها نفس رائحة العطر الشعبي الرّخيص السّاحر.
ارتعب لفكرة أن تكون هي نفسها المضيّفة، فطمأن نفسه بأنّه من الممكن جدّا أن تضع زميلتان نفس العطر. ثمّ أين هذه الرّأس الملفوفة في حجاب من ذلك الشعر الذي يهفو عليه كلّما انحنت مضيّفته لتريه مقعده في الظلام؟ ولكنّ ذلك لم يكن كافيا لتبديد شكوكه. راح يسترق النظر إليها متأمّلا قوامها ومنتظرا دون جدوى أن تخرج يديها من جيوب معطفها الروبافيكا عساه يلاحظ أصابعها ويحاول مقارنتها بتلك الأصابع الطريّة ذات الملمس المكهرب لجسده. 
ولمّا فشل في طرد الفكرة التي استبدّت به، بادر المنظّفة بالسؤال عن زميلتها، فأجابته بأنّ المضيّفة تغادر العمل حال إغلاق شباك التذاكر ودخول آخر متفرّج. بدا له جوابها مقنعا فأحسّ بالارتياح. وقبل أن يبادرها بسؤال آخر، ابتعدت عنه بسرعة وهي تلعن برد تلك اللّيلة الذي جعلها لا تنزع الشال فكاد عطره يفضح أمرها ويعرّضها إلى الطّرد من صاحب القاعة. ولكنّ ابتعادها عنه وعدوانية نظراتها وقبح وجهها كلّها عوامل لم تثنه عن معاودة الاقتراب منها مصرّا على التحدّث إليها بشأن المضيّفة. ووجد نفسه يسألها عمّا إذا كان للمضيّفة رجل في حياتها، وعمّا إذا كان من الممكن دعوتها إلى تقاسم قهوة. حاولت إخفاء ابتسامة خبيثة زادتها قبحا على قبح، ونصحته بألاّ يحاول الاقتراب منها لأنّها متزوّجة من موظّف شباك التذاكر بالقاعة، ولكنّها وعدته بأن تسعى إلى ترويضها له، قبل أن تستقلّ حافلتها ضاربة له موعدا ليوم الغد في نفس المكان والتوقيت.
قي حصّة اليوم الموالي، بدت له المضيّفة أكثر اهتماما به وبادلته ضغطة اليد بضغطة أطول وأكثر حنانا... ولكنّ المنظّفة أخلفت موعدها، ولم تعاود الظهور في المحطّة بعد ذلك أبدا...