mardi 24 février 2015

نقل جثّة

أدركنا قوس النصر الذي تستقبل به مدينة "القصرين" زائريها مع تباشير الفجر الأولى... كانت هناك نقطة تفتيش تضم شرطيّين يكاد الواحد منهما لا يتحرّك من فرط البرد، بادلانا التحية دون أن يوقفانا... كانت المدينة لا تزال نائمة وشارعها الرئيسي ممتدّ أمامنا بمنحنياته وتعرجاته المتفاعلة مع أعمدة الإنارة العمومية غير المنتظمة ومع ظلال أشجار الكالاتوس لتضفي على الإسفلت ما يشبه تلك البقع الداكنة التي ترقّط جلد الثعبان. 
طلب منّي عشيري أن أتوغّل صوب الجنوب حيث يقع المستشفى الجهوي عند سفح جبل الشعانبي الجاثم كتنّين هرم في أقصى المشهد المقابل. كان جميع من في السيارة صامتا والتوتّر يزداد كلّما اقتربنا من المستشفى، حتّى أنّني لم أنتبه إلى عبور شيخ شقّ الطريق أمامي فجأة فكدت أدوسه بالسيارة... استغلّ عشيري الحادثة ليكسر طوق الصّمت فقال "لابدّ أنّه المؤذّن أو وكيل المسجد يسرع لفتح الميضة وقاعة الصلاة للمصلّين. نحتاج قهوة ساخنة تبعث فينا شيئا من الدفء، ولن نجد ضالّتنا في مثل هذا الوقت إلاّ بمقهى المحطة." ثم أشعل سيجارة نفث دخانها داخل السيارة المغلقة كأنّما ليجبرني على التوقّف فورا. 
ونحن ننعطف يمينا باتجاه المحطّة، أشار عشيري باتجاه اليسار قائلا: "هناك وراء سكّة الحديد، يقع حي النور، حيث أقام المرحوم ودرّس الفلسفة طيلة أربع سنوات..."، ثمّ أكمل كلامه همسا في أذني حتى لا تسمعه شقيقة المرحوم وخاله الجالسين في المقعد الخلفي للسيارة: "علينا أن نتدبّر أمرنا للمرور إلى بيته في نفس الحي واستلام أدباشه من زميله الذي وعدني بجمعها..." في مقهى المحطّة، كانت آلة الإكسبرس غير جاهزة بعد، ولكنّنا اشترينا بيضا مسلوقا ساخنا من طفلة شقراء الملامح وزرقاء العينين وحافية القدمين. استأنفنا طريقنا باتجاه المستشفى وعشيري في سخط كبير لم أتبيّن إن كان بسبب فقر بائعة البيض أو بسبب غياب القهوة.
عند وصولنا إلى مفترق تالة فريانة حيث يقع المستشفى، لاحظت تمثالا لفارس يركب حصانا، قال لي عشيري أنّه لعلي بن غذاهم قائد ثورة ماجر والفراشيش... أشفقت لحال عشيري الذي كان يجهد نفسه كي ينسينا طبيعة المهمّة التي جاءت بنا من تونس إلى ذلك المكان في ذلك الوقت. قدّرت فيه نبل مشاعره وتحرّقت شوقا إلى جلسة الاسترجاع والتعليق الاستيهامي على تفاصيل السّفرة والمهمّة. لم يكن عند مدخل المستشفى غير الحارس الليلي متدثرا بقشابية صوف بالية وملفوف الرأس بعمامة جزائرية عسلية اللّون. فتح لنا باب الحديد الثقيل حالما أعلمته بمن نكون، وهو يتمتم معزّيا ومشيرا نحو غرفة الأموات. وما كاد يفعل حتّى أطلقت شقيقة الفقيد صرخة حادّة افتضّت بكارة الفجر وردّدت صداها جنبات الجبل كعواء ذئب، ثم انخرطت المسكينة في نوبة من العويل مزّقت بها ما تبقّى من غشاوة الليل البارد وأيقظت المرضى المقيمين بالمستشفى. بعدها خرج علينا ممرّض الدّوام الليلي بعينين أثقلهما النّعاس ليعلمنا أنّ الطبيب الشرعي قد قام بتشريح الجثّة منذ البارحة وأعدّ تقريرا في ذلك أودعه لدى ناظر المستشفى. وطفق يشرح لخال الفقيد الإجراءات الإدارية لنقل الجثّة من القصرين إلى تونس العاصمة. قال له في ما قال أنّ دخول كل مدينة ومغادرتها على طول الطريق يتطلّب المرور بمركز الأمن لوضع الأختام على وثيقة الإذن بنقل الجثة. أمّا وثيقة الإذن، فيسلّمها معتمد المكان. وطالما أنّنا في يوم أحد، فعلينا أن لا نتحرّج من التوجّه إلى بيت المعتمد رأسا، فقد تعوّد تسليم مثل هذه الأذون أيام الآحاد.
صرفنا بقية الوقت حتّى طلوع النهار متهرّبين من بعضنا البعض متظاهرين بقضاء مشاغل ذات صلة بنقل الجثّة. وفيما لاذ عشيري بسيجارته وهاتفه الجوّال يتّصل بزميل المرحوم للتأكّد من تجهيز الأغراض، رحت أنا أبحث عن دورة المياه، ومن ثمّة عن مشربة المستشفى... أمّا خال المرحوم فقد شغل نفسه بتهدئة ابنة أخته وإلزامها بالبقاء داخل السيارة.
مع الثامنة صباحا، دعانا ناظر المستشفى الذي كان مرفوقا بممرّض بربري الملامح إلى رفع الجثّة من غرفة التشريح. وبعد لحظة من التردّد بالباب تسلّحنا بالهمّة ودلفنا إلى داخل الغرفة باحثين عن الصندوق كأنّما جئنا نرفع بضاعة. لكنّ عدنان كان مسجّى هناك على رخامة التشريح ملفوفا بكميات كبيرة من القطن المخضّب بالدماء. فوجئنا بجسد صديقنا الغندور المتأنّق الضاحك الحركي مشقوق الصدر من مستوى الحنجرة إلى حد السرّة ومخاطا بغرز تشد اللحم بعضه إلى بعض بفضاضة، غرز متباعدة تشكّ لحمه شكّا كما لو كان صرّة محشوة بالأمعاء والأحشاء... انتظرت أن يوجّه لي عشيري أمرا أنفّذه فينقذني من ذهولي وفزعي، ولكنّه كان في نفس وضعي، حتى أسعفنا صوت الناظر من الخلف يعلمنا أنّ عاملا سيمدّنا بغطاء سرير نلفّ فيه الجثة قبل وضعها في الصندوق.
نفس ذلك الناظر يدلي الآن بتصريح إلى القناة الوطنية حول عدد الجثث التي وصلت المستشفى إثر الكمين الذي نصبه الإرهابيون وراح ضحيته ستّة أفراد من جيشنا الوطني في جبل الشعانبي... زوجتي تعلّق على هول الحادثة، والذهول يسافر بي إلى تفاصيل موت عدنان بسكتة دماغية قبل خمس سنوات من اليوم...