samedi 7 février 2015

غزال الرّحمة


كثيرون لا يعرفون أنّ سعد الله في أصله عامل بناء... وأنّه أقام لفترة مع العزّاب عند الناحية الغربية من القرية المنجمية في حضيرة بناء المساكن الشعبية حيث أسكنت الشركة العمّال القادمين من الجهات القريبة.
يروي عنه زملاؤه كثيرا من النوادر أيّام كان يقاسمهم غرفة في الحضيرة. طرائف عن خوفه من العقارب الذي يحرمه من النوم طوال الليل، فيعجز عن العمل من الغد. ولكن إتقانه لطبخ الشاي يشفع له ويجعل الكابران يعفيه من العمل ويكلّفه بإعداد الشاي للشانطي بأسره. يروون أيضا كيف كانوا يستغفلونه في لعبة الشكبّة فيخسر جميع الأطراح ولا يغنم شيئا من علب الشامية وبسكويت الشوكوطوم التي كانوا يتراهنون عليها. كاد سعد اللّه يجنّ يوم خبّؤوا راتبه وأوهموه بأنّه سرق ... لا أحد يجادل في كون الرّجل بشوش وطيّب يستحق كلّ الخير... ولكن هذا لا يكفي كي يتحوّل من عامل بناء إلى تاجر مركانتي وصاحب مقهى في ظرف عشر سنوات. "سبحان مغيّر الأحوال، الدنيا حظوظ، فعلا الدنيا حظوظ".
هذه الجملة تُخْرِجُ المرحوم محمّد لاصيان عن طوره حتى يكفر من فرط الغضب كلّما سمعها، فيردّ "يا طحّانة، يا حسّاد، علاش تنسوا اللي سعد الله راجل ثقة وخدّام؟ فهل كان القمّودي سيشغّله في مقهاه ويأتمنه على رزقه لولا ما وجده فيه من ثقة لم يجدها في أولاده العيّاق؟ هل كان سيزوّجه ابنته لولا ما لمسه فيه من حب للعمل وحرص على الكسب الحلال؟ قولوا أنّكم تحسدونه وأريحونا من وجع الدماغ... تصفونه بالبخل وحبّ المال، فهل تريدون منه أن يوزّع عليكم رزقه حتى ترضوا عنه؟ أمّا عن شايه الأحمر المتخثّر، فهو ما يجعل الزوفرية الكلّ يمرّون بمقهاه للتزوّد به قبل الذهاب إلى الداموس وبعد الانصراف منه"
يقع مقهى سعد الله أمام الجبّانة التي ترصّع قبورها كامل الهضبة المشرفة على المقهى والملعب البلدي... وهو ما جعل سعد الله يسمّيه مقهى "غزال الرّحمة" الذي يؤلّف بين اسم الفريق الرياضي المحلّي والترحّم على موتاها.
هل كان هذا الموقع وليد الصدفة؟ الألسنة المريضة تقول أنّ سعد الله لاحظ جماهيرية الجنازات في هذه القرية حيث يخرج الكبير والصغير وراء الميت ليرافقوه إلى الجبانة البعيدة عن مركز القرية فما يبلغونها إلاّ وقد تمكّن منهم الإعياء والعطش فيتهافتون على الماء والمبرّدات صيفا وعلى القهوة والشاي شتاء لبعث الدفء في أجسادهم. أمّا عن الملعب البلدي، فقد جاء بعد المقهى ليزيد الخير خيرين، ويضاعف المدخول عشرات المرّات يوم الأحد، حتّى فكّر سعد اللّه في توسيع نشاطه وفتح مطعم يبيع السندويتشات للجمهور ويقدّم الوجبات الكاملة للفرق الزائرة...

كان سعد الله يردّ على هذه الألسنة الخبيثة بروح الهمّامي الأصيل المرحة: موقع المقهــى في هذا المكان يسلّي الموتى ويذهب عنهم القلق، ويجبركم على زيارتهم يوم الأحد حتى ولو تخلّفتم عن ذلك يوم الجمعة... ويضمن للفريق جمهورا وفيا لا يغيب حتى عندما تدور المقابلات دون حضور الجمهور

لا علاقة لسعد الله بالرياضة، فهو لم يركل في حياته كرة ولا استساغ كيف يعرّي رجال عن سيقانهم المشعّرة ليركضوا خلف بالون هوائي، ولم تطأ قدماه أرض الملعب يوما... ولكنّه كان يحلّي مقهاه بصور للفريق ولاعبيه ولا يمانع في عقد الجلسة العامة للفريق بمقهاه حتى غدا أقرب ما يكون إلى مقر الجمعية التي لم يكن لها مقر... ما كان يستطيع أن يردّ مسؤولي الفريق خائبين كلّما طلبوا منه مساعدة الفريق والتبرّع له بشيء من المال. ولكن أن يصل الأمر إلى حد اقتراحه رئيسا للنّادي، فهذا ما لم يتوقّعه أبدا ولا يمكنه قبوله... اشتمّ وراء الأمر مخطّطا لابتزازه من خلال جعله يتبنّى النادي بالكامل ويصرف عليه، فزاد نفوره من الفكرة ولم تُجْدِ لتغيير رأيه لا تدخّلات المسؤولين المحليين ولا والي الجهة. كان سعد الله يردّ في كل مرّة "أنا لا أفقه في الكرة شيئا ولا في التسيير، وأريد الاهتمام بعملي لا غير". ولكنّ سعد اللّه لم يسلم من الألسنة الخبيثة التي رأت في موقفه أنانية وعدم تضامن مع شباب القرية.... صاح فيهم رونالدو ابن المرحوم محمّد لصيان وهو نجم الفريق ولاعبه المدلّل "ماذا تراكم كنتم ستعلّقون لو قبل برئاسة الفريق؟ كان سيكون في عيونكم دخيلا على القرية وانتهازيا متكالبا على المناصب ومتزلّفا للسلطة" قال ذلك وألقى بزيّه الرياضي أرضا وهو يقسم ألاّ يلعب للفريق بعد ذلك اليوم أبدا، ثمّ غادر المقهى... كان من عادة رونالدو كلّما سجّل هدفا أن يلتفت صوب الجبّانة حيث يرقد والده ويلقي التحية واضعا يده في أذنه استدعاءا لردّة فعل من الجبانة، فيأتيه صدى صيحات الجمهور...