lundi 4 mai 2015

أكبر ماذا أيها الأبله؟

ما أحمق هذا التكالب على تحقيق أرقام غينيس القياسية وما تخفيه من أوهام دعائية وتسويقية في مجال السياحة... ذلك أنّ الجدوى السياحية لا تتحقّق إلاّ باستدامة أثر مرئي للرّقم القياسي حتى تمكن زيارته ومعاينته من طرف السياح والفضوليين ويتحوّل مكان إنتاجه وعرضه إلى مزار ونقطة استقطاب سياحي وحركية اقتصادية وثقافية... فأين راح أكبر دجين في العالم وأين ذهب أكبر مشموم ياسمين وأين ذهبت أكبر كسرة مطبّقة (على فكرة احترقت الخبزة وفشلت فشلا مضحكا) وأكبر كسكسي وأكبر سيتروناد، ووو...
في المقابل، تدخل أمم أخرى كتاب غينيس من خلال إنجازات باهرة كأعلى برج في العالم وأطول جسر وأسرع طائرة ويدخل مواطنوها هذا الكتاب من خلال إنجازات طريفة ومتميّزة كأطول نوبة ضحك أو أكل أكبر كمّية من البيض، ووو... أمّا عندنا، فهاهي عبقرية المصرّين على ركوب الموجة السهلة من فقراء الخيال وعديمي الإبداع تتفتّق على فكرة أكبر علم في العالم. وهو عبارة عن قطعة قماش عملاقة طولها 396 مترا وعرضها 264 مترا تغطّي مساحة تفوق العشر هكتارات (104500 متر مربع) وتزن 14 طنا. ولاشكّ أنّ القائمين على المشروع جهّزوا احتياطيا من القماش الأحمر في شكل شرائط بطول العلم وعرضه تضاف إليه كلّما أحسّوا بخطر تحطيمه من طرف المنافسين الذين سبقوهم إلى هذا الإنجاز كالقطريين والسعوديين والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين,والمغاربة والرومانيون والإسرائيليون وغيرهم كثير... وهذا يذكّرني بسذاجة الأطفال الذين تعلّموا العدّ حديثا، فتراهم يتبارزون أيّهم يذهب في العدّ أبعد من الآخرين في تعداد الأرقام المتسلسلة وسرعان ما يكتشفون أنهّم يلهثون وراء سراب ويدركون عبثية ما هم فيه فينصرفون عنه... أمّا جماعتنا فقد أصرّوا على حماقتهم رغم ما تبيّن من أنّ هذا الإنجاز سيكون بمثابة الغول Monstre الذي سينقلب على صانعيه فيتمرّد عليهم ويلتهمهم...
منذ البداية، أثار تصريح وزيرة السياحة عن توزيع قماش العلم على مختلف الجهات موجة احتجاجات وصلت حدّ التهديد بمقاضاتها باعتبارها تنوي تمزيق العلم، وهو ما اضطرّها إلى عدم حضور فعالية تدشين العلم والتذرّع بمشاغل أخرى.
لاحظ كيف أنّه لا أحد احتجّ على الشاعر محمّد الصغيّر أولاد أحمد الذي سبق الوزيرة إلى نفس الفكرة عندما قال منذ سنين في إحدى قصائده: "والعلم أمزّقه نجمة نجمة لأخيط به عري عيالي". لقد صفّق له الجميع. وهذا هو الفرق بين الفنّ والسياسة، وتلك حكاية أخرى. (يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره(
والحقيقة أنّ الوزيرة وجدت نفسها أمام أعباء إدارة هذا العلم العملاق. لعلّها فكّرت في تكليف فريق قارّ بالإشراف على صيانة العلم وتعهّده بالتنظيف؟ وربمّا فكّرت في تثمينه، من خلال تشييد عمود عملاق يتجاوز ارتفاعه الثلاثمائة متر حتى يعلّق عليه علم بعرض 264 مترا. ولابدّ أنّها حلمت بأن يكون ذلك فوق مرتفع من الأرض حتى يراه الناس من بعيد... ولا أشكّ أنّها فكّرت في جبل الشعانبي باعتباره أعلى نقطة في البلاد وهو ما يوفّر تيارات الهواء الضرورية لرفرفة قماشة تزن 14 طنا من ناحية، ولما يمثله اختيار هذا المكان من تحدّ للسلفيين المتحصّنين بالجبل والمهدّدين برفع الراية السوداء بدلا عنه. وليكن أن تدعى إلى حفل التدشين خولة الرشيدي تلك الفتاة التي صعدت فوق سطح كلية الآداب منوبة لتلوي ذراع السلفي وتحمي العلم الوطني...
لا شكّ أن السيدة اللومي وزيرة السياحة حلمت بكلّ هذا، ولاشكّ أنّها زمّت شفتيها أسفا على استحالة تحقيق حلمها، واكتفت بالصيغة المبطوحة رملا وفي الصحراء للعلم التونسي...
وهاهي الألسنة الخبيثة تروّج أنّ أرجل الشباب داست العلم وجرت فوقه... شباب عنق الجمل الذي يتم نقله من توزر ونفطة بكلّ الوسائل لتأثيث التظاهرات التي تقام في الصحراء بهدف بعث الرّوح في السياحة الصحراوية التي دخلت في غيبوبة منذ أربع سنوات... أسلوب يذكّرنا بشباب الشعب الدستورية في عهد المخلوع الذي كان ينقل على متن الخافلات ويتمّ تمتيعه بالكسكروتات لاستقبال صانع التغيير ولتنشيط التدشينات.
كذّبت وزارة السياحة هذه الإشاعات الرّخيصة، وطمأنتنا على أنّ علمنا المفدّى لم تطأه قدم. ولكنّها لم تطمئنّا عن مصير القماشة العملاقة، هل ستطوى وتنقل إلى مكان آخر؟ وما هو هذا المكان؟ هل ستوزّع على الجهات إربا إربا في صمت لتجنّب المزايدات؟ هل ستترك هناك لتغطيها الرمال الزاحفة؟
ياملّه حصلة؟؟ عملة وعملناها بيدينا؟
أكبر علم ماذا أيّها الأبله؟؟