vendredi 5 juin 2015

سأصير يوما مديرا لمدينة الثقافة


"سأصير يوما ما أريد...
أَنا حوارُ الحالمين ، عَزَفْتُ
عن جَسَدي وعن نفسي لأُكْمِلَ
رحلتي الأولى إلى المعنى ، فأَحْرَقَني وغاب . 

أَنا الغيابُ . أَنا السماويُّ الطريدُ." 
(مقتطفات من جدارية محمود درويش)

كلّما مررت أمام مدينة الثقافة التي تحوّلت إلى أطلال قبل أن تدشّن كما حصل مع قصر حمّودة باشا الذي أفرغ خزائن الدّولة دون أن ينجز، أقول في نفسي "آه، لو أصير يوما مديرها"
ولد حلمي قبل أن يظهر مشروع مدينة الثقافة أصلا.. ولد وترعرع أثناء إقامتي بفرنسا من خلال زياراتي لمتحف اللوفر، ومركز بومبيدو ومعهد العالم العربي والمكتبة الوطنية ومدينة لافيلات الثقافية وبيت علوم الإنسان La Maison des Sciences de l"Homme والموزيوم الوطني للتاريخ الطبيعي Muséum national d'Histoire naturelle ومتحف غريفان للشمع Musée Grevin وحدائق التويلوري les jardins des tuileries، وجميعها تقع في باريس عاصمة الأنوار. وعلى هضبة مونت مارتر، وتحديدا على طاولات المطاعم في جادّة شارع الفنّانين الضيق المطلّ على باريس من عل، حيث نسكر بالنبيذ الجيّد والأجبان ونسرح مع أنغام كمان العجوز الغجري الذي تمزج أصابعه الحزن بالفرح... وفي الأنهج المطلّة على ساحة سان ميشال حيث آكل السندويتشات اليونانية اللذيذة والبيرّة، وحيث المقاهي القريبة من ذلك الهرم العلمي المسمّى "جامعة السوربون"، مقاه تثبّت على طاولاتها الخشبية صفائح معدنية كتب عليها "هنا كان يجلس جون بول سارتر ليناقش طلبته ويوزّع مجلّة "الأزمنة الحديثة"... وعلى ضفاف نهر السين حيث تصطفّ صناديق باعة الكتب القديمة، إلخ.
ذات صيف قرّر عمدة باريس، أن يستدعي البحر إلى باريس حتّى يروّح على أنفس الباريسيين الذين منعهم تواضع إمكانياتهم من الذهاب إلى البحر في عطلة صيفية. نامت باريس لتفيق على شواطئ رملية فسيحة مفروشة على ضفاف السين... فنصب الباريسيون شمسياتهم واستضافوا البحر... وفي الليل كانت جميع الساحات الخضراء المعشّبة تتحوّل إلى ساحات حفلات غنائية راقصة أو فضاءات لعرض الأفلام في الهواء الطّلق... كنت مدهوشا أمام هذا الجنون الخلاّق المبدع لدى الباريسيين. وممنونا لصديقي حبيب عبد الحق الذي لا يقلق أبدا من استضافتي في شقّته ويمنعني من العودة إلى مدينة ليون حيث أقيم... لكنّ زاوية ما في قلبي كانت تنضح بالشجن فتشوّش عليّ متعتي بسحر باريس... كان حبّ تونس يدفعني في كلّ مرّة إلى التساؤل المرّ عن أسباب أن لا تكون تونس مثل باريس... كنت في تلك المرحلة، أسقط كلّ ما أراه في زوايا باريس على أماكن في تونس... هكذا كنت أحوّل ساحات باستور وإفريقيا وحقوق الإنسان إلى ساحات احتفالية... وهكذا كانت حديقة الباساج المسكونة بالصعاليك والمهمّشين تتحوّل إلى حدائق التويلورّي التي استقبلت مائوية أم كلثوم، وكان شارع بورقيبة يصير رديفا في ذهني لشارع الشانزيليزي، وكانت مطاعم نهج مارسيليا تصبح أجمل في خيالي من مطاعم مونتمارتر، وكاباريهات مون سنيور وكرايزي هورس والأدغال أكثر سحرا وإثارة من كاباريه لومولان روج Le Moulin Rouge الذي خرج منه كبار الفنانين العالميين مثل إيديت بياف. وكنت أرى مومسات تونس الشريفات اللواتي صرن مثقّفات من فرط مجالستهن للشعراء والرّسّامين والممثّلين أكثر ثقافة وتألّقا من مومسات باريس.... وكنت أخلق بخيالي مسارح جيب des theatres de poche في مطاعم لاماما والبوسفور والبوليرو بتونس...
كان خيالي في تلك الفترة لا يتجاوز مجرّد الاستنساخ والإسقاط، متجاهلا الخصوصيات الحضارية والثقافية والاجتماعية بين البيئتين. وكان لذلك مبرّران رئيسيان أوّلهما تأثير مخلّفات الاستعمار المعمارية التي جعلت من تونس في جزء كبير منها مدينة على الطراز الأوروبي، وثانيهما الانبهار بالزخم الثقافي والثراء الفني لباريس...
كان هناك في نفس تلك الفترة مثقّفون تونسيون يعملون في صمت على صيانة مدينة تونس العتيقة وترميمها وعلى تأسيس المهرجانات والفعاليات الثقافية ذات النكهة التونسية الصميمة دون انغلاق على الهوية...
ولكن في نفس الوقت كان هناك قوّادون وسماسرة ثقافيون يخرّبون ويخدمون رؤساء عصابات ومهرّبي آثار ومخطوطات... ظهر مشروع مدينة الثقافة في تلك الفترة كحلم فرعوني لدكتاتور يبحث عن تلميع صورته. وكنّا جمعا من الأصدقاء نتهامس ضاحكين كلّما مررنا أمام المبنى العملاق لدار التجمّع بشارع محمّد الخامس أو النزل والقصور الفاخرة بضواحي قرطاج والمرسى، أو غيرها من إنشاءات السابع من نوفمبر قائلين: "دعوهم يشيّدون، فهذا أفضل من تهريب العملة إلى البنوك السويسرية، لأنّ العقارات ستصادر ذات يوم وتحوّل إلى جامعات ودور ثقافة ومتاحف ومستشفيات"... كنت أتمنّى أن أصير مديرا لمدينة الثقافة، فأؤسّس لها مجلسا علميا من القامات الفنية والثقافية المرموقة يضع لها برامجها وسياساتها، وأكتفي أنا بدور المدير التنفيذي... ممّا لا شكّ فيه أنّ هناك أشحاصا كثيرين أكفأ منّي وأوسع تجارب واطّلاعا... ولكن من يضمن أن يكلّف بها واحد من هؤلاء. فأنا أعرف كواليس وزارة الثقافة وقدرة السماسرة والقوّادين على توجيه سياسات أي وزير مهما كان متنوّرا. فقد يجثم على تلك المدينة مستكرش قوّاد من بيروقراطيي وزارة "السّخافة" ويحوّلها إلى بوق دعاية نوفمبرية رخيصة... ولكنّني كنت عاقدا العزم أن أديرها حتى بخيالي وأحلامي... كنت أسجّل أفكار البرامج الثقافية والفعاليات الفنّية وأتخيّل أصناف المطاعم والمقاهي التي ستكون هي في حدّ ذاتها مكوّنات ثقافية تعرّف بالمطبخ التونسي وبمطابخ العالم، وأجعل ممرّاتها ومماشيها متاحف طبيعية تعرّف بنباتات المتوسط وأعشابه الطبّية، وكنت أتخيّل جداريات من الجليز الأندلسي تغلّف الجدران وزرابي القيروان ومرقوم قفصة مفروشة في القاعات والمكاتب، كنت أحلم بأن تجد كل الشرائح العمرية والاجتماعية ما يناسبها من منتجات ثقافية، من الرضّع إلى الشيوخ ومن متواضعي التعليم إلى خرّيجي الجامعات... كنت أرى ورشات إنتاج موسيقي وباليهات رقص وفرق مسرحية وجناح للجمعيات الثقافية وصالونات أدبية ومكتبات للمطالعة وإقامات للفنّانين... كنت أرى التنصيبات والتماثيل مزروعة في ساحات المدينة وفضاءاتها، وأرى معارض للأزياء وللّوحات التشكيلية ووو... كنت أخصّص أماكن لبيع الكتب والتحف الفنّية وأشرطة الفيديو والدي-في-دي والموسيقى... بنيت قاعات سينما كبيرة وصغيرة وقاعة عروض فرجوية عملاقة... وأسّست مهرجانات مجدّدة في شكلها ومحتواها، وأغدقت نعم مدينة الثقافة على محيطها العام فأكثرت من المطاعم والحانات والمقاهي والساحات والنزل ونشرت السياح في شارع محمّد الخامس الذي غيّرت اسمه ليصير شارع الثقافة والفنون وجعلتهم يتفرّجون على عروض الشارع الفنّية والبهلوانية التي يقدّمها فنّانون من تونس ومن إفريقيا ومن كل بلدان العالم في حرّية... وكنت أحسّ براحة وسعادة لا توصفان بعدما أفرغ من تأثيث مدينتي الفاضلة. وأصرّ في قرارة نفسي أن أحاصر بأحلامي من يسمّى على رأس مدينة الثقافة بوصفها اقتراحات صادرة عن جماعة ضاغطة اسمها جمعية أصدقاء مدينة الثقافة. كنت أتابع كلّ كبيرة وصغيرة على تقدّم الأشغال والبرامج الثقافية التي يخطّط لها محمّد زين العابدين مدير
وحدة التصرف حسب الأهداف المشرفة على مشروع مدينة الثقافة... كنت ألتقي فريق الدكتور بالوزارة في اجتماعات دورية تتزامن مع اجتماعات اللجنة الوطنية للاستشارة الوطنية حول الثقافة التي كنت عضوا فيها، فتنتابني الرّغبة في حضور اجتماعات وحدة التصرّف حسب الأهداف بدل اجتماعات اللجنة الوطنية للاستشارة... ولمّا تعوزني الحيلة ويستبدّ بي اليأس كنت أقول: دعهم يشيّدون حتّى نربح العقار على الأقلّ وبعد الثورة، التي كانت رائحتها آنذاك قد بدأت تفوح، سنرى.... وها نحن قد عشنا وما شفنا شيء...