mardi 30 juin 2015

البريء

لم يكن اللقاء الأوّل مصادفة كما يبدو... فقد جاءت من بلدها لقضاء العطلة باحثة عنه، كما كان يتسكّع في محيط النزل باحثا عنها. لم يكن أحد منهما يعرف الآخر، ولكنّ كليهما كان يبحث عن شخص له مواصفات الآخر. لذلك كان اللقاء الأوّل يسيرا وسلسا. التقاها في محطّة القطار السياحي فافتعلت سؤالا توجّهت به إليه، ودون أن يكلّف نفسه عناء فهم سؤالها طفق يخاطبها بنتف من اللغة الفرنسية يخيطها بحركات يدوية وتعابير وجهية أضحكت كليهما. كان واضحا أنّها قد أعجبت بشبابه ورأت في فقره ما يجعل منه الشخص المناسب لها. وكان واضحا أيضا أنّه قد فهم غايتها بالضبط ورأى في سنّها ما يجعلها الشخص المناسب له. لم تمثّل اللّغة عائقا بينهما. فلم تكن بهما حاجة إلى كلام كثير. واكتفيا بابتسامات تشي بفرحة كلّ منهما بما سيغنمه من الآخر. دعاها إلى احتساء قهوة فاستجابت شرط أن تكون هي المضيفة... وعلى دكّة المقهى الأندلسي، دخّنا النرجيلة قبالة البحر في أمسية رائقة. كان سعيدا بعد يوم من الصيام المرهق والعمل الشاق في حضيرة البناء بالمنطقة السياحية. أمّا هي فقد أرته صور بلادها ومنزلها في الرّيف البلجيكي، بعدما أثنت على روعة تونس وعلى كرم أهلها ولطفهم... كان يستحضر ما قرأه في صفحة فايسبوكية حول تأويل حركات المرأة الأوروبية عند تحادثها مع الرّجل، كعضّ الشفة السفلى وإخراج اللسان أثناء الحديث ورمي خصلة الشعر الأمامية إلى الوراء بحركة خاطفة من الرقبة... حدّث نفسه أنّ وضع ساق على ساق مع الانحناء قليلا إلى الأمام، يعني الاستجابة. أمّا رفع الكم إلى حد المرفقين وشقشقة الأساور فيعني الدعوة إلى عدم التسرّع. وكان يردّ على ذلك بأن يتمطّى بين الحين والآخر متعمّدا إبراز عضلاته ورفع خصره إلى الأمام كأنّما ليريها ما ينتظرها من كرم وعطاء... رافقها بعد ذلك إلى النزل الذي تقيم به مشيا على رمال الشاطئ في العتمة. وعلى بوّابة النّزل ودّعها بقبلة دافئة أمام أنظار عون الحراسة، وتواعدا على اللقاء من الغد للسباحة معا. كان قد عقد العزم على التغيّب عن عمله بحضيرة البناء. فما هي إلاّ أشهر وسيغادر الوطن إلى أوروبا، ليعود إليه بعد سنوات ويفتح شركة مقاولات بناء...
كرّر هذه الرواية عشرات المرّات على مسامع المحقّقين الذين لم يقتنعوا ببراءته من المشاركة في العملية الإرهابية التي أودت بحياة أربعين سائحا ومن بينهم صديقته البلجيكية.... كانت كلّ المؤشّرات ضدّه، فالقاتل ابن قريته وشهادة عون الحراسة تدينه... آه فقط لو أخطأها رصاص السفّاح، فقد كانت ستقدّم شهادة تبرّأ ساحته...  لكنّ ابن العاهرة قتلها ولم يقتل معها حلمه فقط، وإنّما قضى أيضا على دليل براءته...