vendredi 3 juillet 2015

الممحون

"هيّا، تصبّح ها الصباح" قالتها بتفخيم الباء على طريقة أهل الوسط الغربي قبل أن تتحسّس بيدها تحت المخدّة وهي مغمضة العينين باحثة عن الهاتف لإخماد منبّهه.
كان قد سبقها إلى الحمّام لتدخين جونتة تفتح دماغه ويقوى بها على مجابهة يومه الجديد. لكنّ عقب السيجارة ظلّ يعاند طرّادة المياه ويراوغ ضغط الماء ليطفو كلّ مرّة من جديد ويرفض أن يغيب في البالوعة. أعاد الكرّة أكثر من مرّة دون جدوى، فاضظرّ إلى غمس يده في الحفرة لتناول العقب وتفتيته ومن ثمّة الدوس على طرّادة المياه من جديد. فتح نافذة الحمّام وضرب بيديه في الفضاء ليساعد على تغيير الهواء. بدا له أنّه قد حقّق إنجازا كبيرا بفعلته تلك وأعجب أيّما إعجاب بنباهته وفطنته إلى أدق التفاصيل، وهذا مطلوب لدى أصحاب المحنة في هذه البلاد. فشتّان بين مراهق يريد التباهي بما يفعل جريا وراء بطولة زائفة وبين ممحون لا همّ له سوى تعمير رأسه بما يساعده على تحمّل هموم الحياة التي تصير أصعب مع كلّ يوم جديد.
دخل تحت مرشّ الماء ليأخذ دشّا باردا وتعمّد إدخال رغوة الشامبو إلى عينيه حتى يكون ذلك مبرّرا كافيا لاحمرارهما، حلق بعد ذلك ذقنه بعناية بدا له أنّها استغرقت وقتا طويلا. ثمّ وقف أمام المرآة ليعدّل من هيئته فبدت له جفونه ثقيلة بشكل جليّ لكنّه لم ينشغل للأمر لأنّه معروف بكثرة السهر والشرب ليلا... ابتسم لوجهه في المرآة وغمزه عاضا على شفته السفلى ليعبّر له عن مزيج من النشوة والتواطؤ والدّعوة إلى الحذر.
بخّ على شعره ووجهه شيئا من ماء الورد الذي يفضّله على العطور الكيميائية فأحسّ بالانتعاش ووضع نظاراته الشمسية الرّخيصة وألقى بالجرابة العسكرية الخفيفة على كتفيه وغادر الشقة غاضّا النظر على إخراج سلّة القمامة التي لا شكّ أنّ روائحها ستفسد مزاجه الرّائق في ذلك الصباح. أغلق الباب برفق حتّى لا يجلب انتباه جارته المحجّبة التي تطلّ من عدسة بابها كلّما سمعت خطوا في السّلالم ثم شرع ينزل أدراج الطوابق الأربعة للعمارة. ثبّت سماعة الموسيقى في أذنيه وشغّل الجهاز فأنشد:
"خمرة الحب اسقنيها
هَمَّ قلبي تُنْسينيه
عيشةٌ لا حب فيها
جدولٌ لا ماء فيه"
انطلق ينطّ بحذائه الرياضي على درجات السلّم، لكنّه لم ينتبه لساقه وهي تخطأ درجا ليتهاوى كالركام ويتدحرج إلى أسفل الدربوز.
لمّا أفاق في مستشفى الكسور وجد حبيبته تنشج بجانبه وأخبره الطبيب أنّ تحاليله أثبتت نسبة مرتفعة من المخدّر في دمه، وطمأنه أنّ السرّ المهني يحتّم عليه عدم إفشاء الأمر للشرطة. لكنّه نصحه بتجنّب ذلك والتفكير جيّدا في العواقب الصحّية والأمنية لهذه الممارسة...