samedi 25 juillet 2015

نوبة سيدي أحمد المجدوب

عند الضحى، صدحت زكرة سيدي علي على إيقاع الطبّالين معلنة وصول الفرقة بعزف نوبة سيدي أحمد المجدوب. حالما أطلّوا من رأس النهج حيث تلتقي مجاري المياه المنزلية مكوّنة مستنقعا آسنا، أعطى سيدي علي الزكّار الإيعاز للطبّالين بحركة رأسية وهو ينفخ أوداجه ويفرغها بالتناوب ذات اليمين وذات اليسار في قصبة مزماره بحيث لا يفرغ خدّ إلاّ وقد امتلأ الآخر بالهواء وهو ما يضمن استمرار النغم دون انقطاع. سيدي علي رجل فخم يحرص على أناقته ووسامته كفنّان مشهور، أبيض القشرة أحمرها حليق الذقن على الدوام، يتهمّم بلبس جبّة حريرية بيضاء، ويضع فوق شاشيته القرمزية لحفة بيضاء ناصعة تنسدل ناعمة على كتفيه، وعلى أنفه الكبير تنتصب نظارتان سوداوان كبيرتان يخفي بهما رمدا مزمنا يجعل عينيه دامعتين على طول العام...
هرع جميع من في البيت خارجه تاركين ما بين أيديهم وقد أخذتهم تخميرة الدرّازي. الأطفال يجرون والنساء يزغردن والبنات يتصايحن والعجائز ماسكات المباخر والشبّان فوق السطوح توقّفوا عن شد حبال الستارة العملاقة التي استعارها الحاج من وكيل ديوان الحبوب بعدما أوصى له بصندوق بيرّة. ومن فوق السطح، غمز العريس أخاه حتى يراقب والده المسنّ وقد قفز من سريره يرقص راميا بعكّازه في الهواء. لكنّ العريس لم يسيطر على مشاعره وهو يلاحظ إصرار والده على الرّقص متحدّيا شيخوخته ومرضه. فرفع علبة البيرة عاليا وراح يرقص فوق السطح كأنّما ليتحدّى ابن خاله السلفي الذي كان يرقب المشهد في غيظ واستنكار واضحين ويقف أمام باب منزله سادّا طريق الخروج على زوجته شقيقة العريس.


تكوّنت في البطحاء أمام البيت حلبة تلقائية اختلط فيها الحابل بالنابل حيث كان أولاد سيدي أحمد المجدوب يرقصون على نوبة جدّهم، وأطلق البارود وعلا الغبار واختلط بالبخور وبالصلوات على رسول اللّه وبالتخميس والتحويت، حتّى أنّ اليامنة أخت العريس انقذفت داخل الحلبة من الباب الخلفي لبيتها وقد أخذتها رعشة، مفاجئةً زوجَها السلفي الذي غادر المكان في حالة قصوى من الغضب... استمرّت نوبة سيدي أحمد المجدوب على إيقاع مجنون لا يعرف سرّه إلاّ الدربوزي ويوسف. هذان الرّجلان أقرب في مظهرهما الخارجي إلى البلاهة والإعاقة الذهنية، ولكن لكلّ منهما حسا إيقاعيا خارقا. أثناء العزف، يطرق كلّ منهما برأسه ويلتفت لزاوية ما في الجدار كأنّما ليتلقّى رجع الصّدى وينهمك في الضرب على طبلته بعصاتين إحداهما قصيرة وغليظة ومقوّسة يستخدمها للدُّمِّ والأخرى نحيفة وطويلة ومستقيمة يمسكها بيسراه ويستخدمها لعزف التاك. ويتفاعلان مع بعضهما في تقاطع الدُمَّات والتاكات لكسر رتابة الإيقاع بشكل يلهب حماس الرّاقصين فيردّ عليهما سيدي علي بتصويتات من زكرته يفهم منها أنّه يأمرهما بالعودة إلى خط الإيقاع الرّتيب وعدم المبالغة في الزينة الإيقاعية.
نفخت نوبة سيدي أحمد المجدوب في الحاج شحنة من الطاقة أعادت له شبابه وطردت من مفاصله ما علق بها من صدأ الروماتيزم وكساد العمر فراح ينطّ ويرقص كشاب، حتّى خشي عليه الجميع من توقّف العزف لأنّ ذلك سيعني انهياره. كانت ورطة الحاج  بادية للعيان، ولم يكن تمطيط النوبة إلاّ تأجيلا للحظة الحقيقة التي بدأ الجميع يخشاها. قفز العريس من فوق السطح في قلب الحلبة وجعل يراقص والده ويحضنه بيده من حزامه داعيا سيدي علي إلى التخفيف من الوتيرة تدريجيا، لكن لا الدربوزي ولا يوسف المنهمكين في العزف من وراء عزلتهما التامّة انتبها إلى ما يحصل، حتّى أن سيدي علي لكز كلّا منهما بمرفقه للفت انتباههما دون أن ينقطع عن العزف. لمّا توقّف العزف كان الحاج ينتقض بين يدي العريس كالفرخ المذبوح، ثم غاب عن الوعي.
دام الفرح ثلاثة أيّام بلياليها لم يفتح أثناءها الحاج عينيه للحظة، حتّى كانت طلقة البارود ليلة الدخلة كرصاصة الرّحمة لفظ معها الحاج آخر أنفاسه...
أوّل شاش وثاني شاش وثالث شاش
أوّل شاش غطّيت بيه وجهي عل العجاج ما طقتاش
خنقني الشاش، طلبت النفس ما لقيتاش
وثاني شاش وْرِثْتَهْ على سيدي ما ِلبْسَاشْ
في كل فرح نرقص بيه وما ننساش
نعنقر الكبّوس ونقلب الفم ونغمّض الأرماش
وثالث شاش لحفة علي ودبيكة البيضا
ترفرف، تزيده هيبة وهيبة
ينفخ سيدي علي، ينقّز سيدي
ترعش إيدي
تبخّر ميّة، تدمع عينيّ
ممرّ العرس من غير رقصة سيدي
آخر شاش مر عليّ، خاطري اللي شاش عقب عشية
في دقاش، كلام فاض بيه القلب والفم ما قالاش