lundi 27 juillet 2015

أحزاب العمارة


كانت مجريات الثورة على العمارة إعصارا لم يبق منها سوى هيكلها العظمي بعد أن نهب محلاّتها ومتاجرها الجياع المنفلتون من عقالهم. قبل ذلك، كانت تلك البناية المنتصبة في بطحاء السوق استثناء في معمار القرية. كانت بطوابقها الأربعة معلما بارزا يستدلّ به على الاتجاهات والعناوين. عندها، ينزل الغرباء من زوّار القرية، وهناك تضرب لهم المواعيد. ورغم كونهم لا يغنمون منها شيئا، فقد كانت العمارة مفخرة جميع سكّان القرية. ولعلّها تحوّلت عند أكثرهم إلى عنصر هويّة يباهون به أهل القرى المجاورة. بناها رئيس مكتب الحزب الحاكم وجعل منها مجمّعا تجاريا سوّغ محلاّته لباعة الملابس الجاهزة والأحذية ولشركات الاتصالات ومكاتب خدمات الأنترنيت.

لم يتصوّر أحد أن تعود إليها الحياة بعد ما لحقها من تخريب. فقد ظلّت بعد الثورة أكثر من ثلاث سنوات كخرائب مدينة دمّرتها الحرب. كست جدرانها المتفحّمة شعارات مختلفة وتحوّلت إلى ملاذ للحشّاشين والشواذ. لكنّ جمعيّة فتيّة تسمّي نفسها "أوفياء الثورة والشهداء" تحرّكت ذات يوم لترميم البناية وتهيئتها.

وفي ظرف أسابيع معدودة، انتهت الأشغال وعادت منارة القرية أجمل من ذي قبل. لكنّها ظلّت مقفلة وغير مستغلّة، فاتحة باب التكهّنات والمزايدات بشأن وظيفتها الجديدة. فمن قائل أنّ مستثمرا خليجيا اقترح تسوّغها ليحوّلها إلى بنسيون فاخر لصيّادي طائر الحبارى المعروف بمنافعه الجنسية للرجال، لكنّ اتحاد أصحاب الشهادات المعطّلين عن العمل اعترض على المشروع، إلى مناد بضرورة التريّث حتّى ينطلق استغلال البئر البترولية المكتشفة حديثا، بما يعنيه ذلك من قدوم شركات أجنبية ومهندسين أوروبيين سيحتاجونها بالتأكيد. وهناك شق آخر يتزعّمه نائب إسلامي بالبرلمان طالب بتوزيع شققها على المساجين السياسيين كتعويض لهم على مظالم العهد البائد، لكنّ عائلات شهداء الثورة وجرحاها اعترضت على ذلك معتبرة أنّها أحقّ بالغنيمة.

مرّت الشهور والسنوات دون أن يحسم أمر العمارة، حتى بهت طلاءها وغمرتها الأتربة والغبار، وخشي الناس عليها من عودة الحشّاشين والشواذ ليرتعوا فيها من جديد. كانت الآمال التي خلّفتها الثورة تتراجع مع كلّ يوم جديد والحماس يخبو ليفسح المجال للخيبة واليأس... فلا مشاريع ولا تنمية ولا بترول ولا شغل ولا كرامة. ولم يعد أحد يهتمّ بمصير العمارة التي غرقت في الإهمال والنسيان...

لا أحد يعرف بالضبط متى وكيف ومن قرّر ذلك... ففي غمرة اللامبالاة التي كانت تلف العمارة، وكما تنبت الأعشاب الطفيلية باحتشام على الأرصفة المهملة حتى تكتسحها وتغطيها بالكامل، استوطنت الأحزاب السياسية البناية واحتلّت شقق الطوابق الأربعة في غفلة من الجميع، حتّى تعوّد بها الناس وبدا الأمر كما لو أنّ العمارة بنيت للأحزاب وما شغلت وظيفة غير تلك منذ تشييدها...

تنافست الأحزاب في لفت الانتباه بتثبيت لافتات تحمل أسماءها ورفع أعلامها على بلكونات الشقق وبثّ الأغاني الوطنية بمضخمات الصوت. احتلّ حزبا العمل والوطن شقّتي الطابق الأرضي، حيث كانت سابقا كافيتيريا السابع من نوفمبر ومقر التاكسيفونات. بينما شغل حزبا الأمل والعدالة الطابق الأوّل أين كان محلّ الملابس الجاهزة وشركة أوريدو. أمّا حزب الغد فقد استقرّ في الطابق الثاني إلى جوار حزب الثوريين الجدد. وشاءت القرعة أن تكون شقّتا الطابق الثالث من نصيب الجمهوريين والليبيراليين. وقبل المحافظون الحداثيون بالطابق الرابع شريطة أن يستأثر حزبهم بشقّتي الدور الأخير كتعويض على تضرّره من عزلته بسبب تحويل وجهة زوّار العمارة من الشباب الفضوليين واصطيادهم قبل وصولهم إلى الطابق الرّابع. 
في فترة الحملة الانتخابية، كان مناضلو الأحزاب يصلون كلّ صباح إلى العمارة مع بعض فيكتفون بتبادل تحية صباحية باردة يتوزّعون إثرها بين مختلف المقرّات. كانوا يفتعلون الجفاء تأسّيا بما يشاهدونه في الحوارات التلفزية وفي البرلمان، لكنّه جفاء لا يصمد أمام ما يربطهم من أواصر. فقد كانوا إخوة وأصهار وبني عمومة وأصدقاء دراسة وزملاء عمل.

هكذا، جرت الأيّام بما لا تشتهيه القيادات المركزية في العاصمة، لأنّ مناضلي الأحزاب المحليين كانوا يفتحون مكاتبهم ليغادروها ويلتقوا في مقهى "البوعزيزي" حيث يشربون القهوة ويتناقشون في كلّ المواضيع ما عدى السياسة. وقد يتّفق أن يلعبوا الورق ثمّ يتجمّعون في مقرّ حزب العمل بالطابق الأرضي ليأكلوا السندويشات التي يشترونها من مطعم "غوايش". ومع الأيّام تحوّل الطابق الأخير المهجور إلى مستودع للافتات جميع الأحزاب وأرشيفاتها ومطبوعاتها. صار الجميع عائلة واحدة يستعيرون من بعضهم الكؤوس والكراسي والورق والأقلام. وغدا من المألوف أن تسمع أحد القائمين على مكتب حزب يقول لقائم على مكتب حزب آخر، "هاني خارج دقيّقة، يعيّش خويا ردّ بالك من البيرو" أو "آلو، أمان أبعثلي عشرين كرسي وعشرة كيسان كبار، عندي ندوة على الإرهاب ونستنّى في برشة ضيوف". وإثر ضبطه في خلوة مع سكريتيرة حزب الوطن بالطابق الرابع المهجور، طوّر أحد مناضلي حزب المحافظين الجدد نظرية العمل الحزبي المشترك وبنى عليها مقترحا بدمج شقّتي الطابق الأرضي وتحويلهما إلى قاعة اجتماعات مشتركة.