dimanche 1 novembre 2015

القطار لا ينتظر أحدا

قد لا يرى فيها الآخرون سوى تفاصيل صغيرة لا قيمة لها، ولكنّها ترتقي عنده إلى مرتبة الطقوس. لا يمكنه أن يسافر دون أن يحمل معه أشياءه البسيطة ويتّخذ جملة من الاحتياطات... طقوس ورثها عن والديه في تعاملهم مع السفر على قطار الثالثة فجرا الذي يشقّ بطن الجبال لينقل المسافرين من الغرب الأجرد القاحل إلى جهة السهول الشرقية حيث تتسلسل القرى والمدن الحيّة الموصولة بمزارع الزيتون الممتدّة على طول الساحل في أرض طينية حمراء وطرية تسلب النظر...
ورغم تطوّر العصر وتكاثر وسائل النقل وتنوّعها، فلا أحد تجرّأ على المساس بقطار الثالثة فجرا. لا الشركة حذفته رغم قلّة مسافريه ولا هو استبدله بحافلة الثامنة صباحا أو بسيارات الأجرة. ظلّ مشدودا إلى تلك الرّائحة، رائحة الناس الطيّبين المعشّشة في خشب المقاعد الهرمة، ومفتونا بإيقاع العجلات الحديدية الرتيب وهي تنزلق فوق عمودي الفولاذ الممتدّين كثعبان. هناك فقط يمكنه أن يسمع تلك الصافرة المبحوحة التي تصل الأمس باليوم فتبقي على الذاكرة حيّة.
رتّب في جرابة القماش التي ورثها عن أبيه زاد المسافر من طعام وأدوات ورثها كلّها عن أبيه. بيضتان مسلوقتان وسندويتش السردين المصبر الممزوج بالهريسة والزيت وترموس القهوة الساخنة وحاوية الماء البلاستيكية ذات الحزام الجلدي الذي يسمح بتعليقها على الكتف على طريقة رعاة البقر في أفلام الوستارن... تفقّد حافظة أوراقه قبل أن يدسّ فيها حبّتي أسبرين. لم ينس معطفه الصوفي الذي تعوّد أن يأخذه أّيّا كان حال الطقس. فهو كما يقول والده عن برنسه الصوفي الثقيل أمان ضدّ تقلبات المناخ في بلاد الناس وهو إلى ذلك وسادة في القطار وسترة في حال تمزّق السروال أو علق به وسخ ما. تحسّس جيب المعطف الداخلي ليتأكّد من وجود مطوى البوسعادة ذي مقبض العاج البني الأملس... فهو أداة لا غنى عنها عند رجال الصحراء. لكنّه أضاف لطقوس أبيه أن حمل مجلّة أدبية وكتابا. قبل مغادرة البيت دخل مرّة أخيرة إلى بيت الرّاحة ليتفقّد نفسه ويجبرها على إفراغ ما في جوفها بالكامل، فليس أسوأ من أن تداهمك الحاجة وأنت في غير مكانك. بعد ذلك، تفقّد الشبابيك واسطوانة الغاز وعدّاد الكهرباء ليحكم إغلاقها، ثمّ أدار المفتاح في القفل وتوجّه إلى محطّة القطار قبل موعد انطلاقه ب
ساعة، عملا بقاعدة والده بأنّه على المسافر انتظار القطار لأنّ القطار لا ينتظر أحدا..
ابتسم بانتشاء إذ فكّر أنّه يفعل كلّ ذلك كما لو كان مسافرا إلى مدن أقصى الشمال والحال أنّ رحلته لا تتجاوز مدينة قفصة التي تبعد أقلّ من ستّين كيلومترا عن قريته.
لفعته نسمات الفجر الباردة فنشّطته وجعلته يحثّ الخطو لتجاوز الزقاق الضيّق المظلم والوصول إلى الشارع الرّئيسي المضاء. لم يكن يدري أنّهم سيعترضونه في ذلك المكان وفي ذلك الوقت، كما لو كانوا في انتظاره. حدس أنّ خطرا يتربّص به ما إن لاحظ أحدهم يتقدّم نحوه فيما تأخّر البقية، وكانوا جميعا حريصين على تغطية وجوههم بطرابيش برانيسهم.
"وين على خير؟ ما تقولّيش ماشي تصلّي الفجر حاضر، في بالنا بيك شيوعي ثابت على المبدأ" بادره الشخص المتقدّم نحوه وهو يسدّ عليه الطريق. لمعت في ذهنه جملة مظفّر النوّاب "في الرياح السيّئة يعتمد القلب"، وقدّر أنّ له أولويتان: الأولى هي أن ينقذ جرابته والثانية هي أن يستدرج مخاطبه إلى مزيد من الكلام عساه يتعرّف عليه من صوته في انتظار أن يتبيّن مسلكا للنّجاة. رمى الجرابة عبر الجدار المحاذي فوقعت في فناء منزل نجاة عاهرة الحي. وواجه محدّثه: "ما الذي تريدونه منّي؟ أنا لا أعرف منكم أحدا، تنحّوا عن طريقي". ولم يكد ينهي جملته حتّى جاء الجواب من بيت نجاة التي فتحت بابها لتطلق كلبا ضخما وشرسا في اتجاه السلفيين الذين أطلقوا سيقانهم للرّيح... كان الأستاذ يرتجف كالقصبة حين التحقت به نجاة.
دعته في حنان آسر إلى استرداد أنفاسه داخل منزلها بعيدا عن أنظار مصلّي الفجر، فلم يفكّر في الممانعة... اعتذرت نجاة عن سوء ترتيب البيت وبساطته وأخبرته أنّ نفس الجماعة زاروها قبل أسبوع ليدعوها إلى التوبة ويعرضوا عليها السفر إلى بلاد الجهاد فهذا كما قالوا لها أحفظ لشرفها وأوفر كسبا. قالت وهي تناول الأستاذ جرابته وتتّجه نحو المطبخ: "دقيقة، سأعدّ قهوة ساخنة على السّريع وأعود". لكنّ الأستاذ أمسكها من معصمها وفتح الجرابة ليتناول الترموس ويصبّ لها كوبا من القهوة... ثمّ أضاف في مكر: "معي أيضا بوخا تبعث الدفء في الجسد" ملوّحا بحاوية الماء ذات الحزام الجلدي. ابتسمت نجاة وردّت بتنهيدة مثيرة: "الدفء؟ لا دفء لامرأة واطئة الجدار..." ثمّ أضافت بدلال وهي تمسح على ظهر الكلب الذي هدأ وأقعى بجانبها "لا تؤاخذني يا أستاذ، فأنت ما شاء الله مثقّف وتفهم كل شيء... أنا لا أجد دفئي إلاّ في هذه "الزّائلة" البكماء التي تحميني من الكلاب البشرية"...
لمّا رفع المؤذّن صوته مناديا لصلاة الفجر، أطلق القطار صافرته المبحوحة معلنا انطلاقه، وانتفض كلب نجاة يتفاعل بنباح حاد ومتواصل. تمتم الأستاذ "فعلا، القطار لا ينتظر أحدا"...