jeudi 5 novembre 2015

بنت الحي

لمحها منذ اليوم الذي سكن فيه الحي الشعبي حيث تمّ تعيينه للعمل بالمدرسة الابتدائية. من يومها صار يجلس إلى تلك الطاولة بالمقهى على جادّة الرّصيف ليرقبها في غدوّها ورواحها إلى حانوت حمدة العطّار وهي تتبختر في ذلك الجوغينغ الضيق وذلك النعل الطري كاللسان... تعجبه تلك الفولارة المربوطة إلي يمين الجبين واستدارات الجسد تحت القماش القطني الرمادي وطقطقات النعل وهو يصفّق على القدمين كلّما بدّلت الخطو وفرقعات العلكة التي تلوكها في فمها.
حذّره بوجمعة نادل المقهى من خطورة الاقتراب من أخت "إسكوبار" لمّا لاحظ ولهه بالبنت، فاكتفى منها بلذّة النظر الحارقة... وظلّ على تلك الحال أسابيع والبنت المتفطّنة إلى ورطته تزيد من دلالها كل يوم أكثر، مثبّتة عليه نظرات جسورة تدعوه إلى مفاتحتها بالحديث، وهو يردّد في سرّه:
"وإني امرؤ مولع بالحسن أتبعه
ليس لي فيه سوى لذّة النظر"
حتّى كان أن فوجئ بها ذات يوم، وهو جالس في مكانه بالمقهى عند الضحى، تتوجّه إليه طالبة في دلال: "أمان، ممكن تسلّفني تلفونك نقول كلميتين لأمّي في المستوصف؟" ناولها التلفون بيد مرتعشة وحلق جاف وسمعها تقول للطرف الآخر على الخط: "موش لازم تزرب روحك وتجي، الجماعة هاهم وصلوا"، ثم أعادت إليه الجهاز وشكرته بابتسامة آسرة وانصرفت مطلقة العنان لنعلها كي يصفّق.
عاد إلى المنزل وقد قرّر تمتيع نفسه بيوم عطلة في انتظار أن يحتفل بالحدث السعيد بدعوة زميله إلى تقاسم بعض القوارير الخضر في حانة الشيلينغ... استلقى على فراشه مستحضرا ما دار مع البنت وهو يتخيّل نفسه معلّما في فلم مصري جالسا إلى مقهى شعبي في القاهرة بطربوش تركي مائل وبشاربين نحيفين وشادية في دور البنت اللعوب تمرّ أمامه مغطّاة بعباءة سوداء وشال مطرّز بالأزهار الملوّنة ملقى على الكتفين... كان يردّد بصوت مرتفع "ماذا قلت؟ ماذا قلت أيّها التافه بوجمعة؟؟ أعد لي من فضلك، لم أسمعك جيّدا.. عليّ ماذا؟؟ أن أبتعد عن أخت أسكوبار!؟ تريدها لنفسك أيّها الأحمق، أليس كذلك؟ يالك من أحمق تافه...هاهاها..." وإذا بباب الشقّة يدكّ فجأة بضربة ساق عنيفة خلعت دفّتيه وبثلاثة رجال يدخلون عليه ليطوّقوه ويشلّوا حركته قبل أن يضعوا الأصفاد في معصميه ويقتادوه إلى مركز الأمن. هناك أعلمه الضابط أنّه لا جدوى من الإنكار لأنّ لديهم قائمة بأرقام هواتف جميع من اتّصلوا بإسكوبار مروّج المخدّرات على مدى الأسبوع الماضي.
حينها لعن المعلّم نفسه على إساءة الظنّ ببوجمعة.