samedi 7 novembre 2015

سرّ القبر

تردّد الرّجل كثيرا في إعلام زوجته بالأمر. فقد لا يزيده تفاعلها إلاّ حيرة. إذ ما عساها تفيده به سوى أن تضرب يدا بيد في لوعة وتسرف كعادتها في إشعاره بالذنب وبسوء التقدير؟
فكّر أن يستشير الإمام، فربّما أفتى بفتح القبر وعندها لن يبقى عليه سوى استصدار ترخيص بذلك من السلط الإدارية. ولكن، ماذا لو أفتى الإمام بعكس ذلك، وصرّح بعدم جواز فتح القبر؟؟ كيف سيتصرّف في تلك الحال؟ وقبل ذلك كلّه، من يضمن أنّ الإمام سيجرؤ على فتح فمه أصلا بعدما حصل الذي حصل؟ لو كان شجاعا لتحدّى قرار الجماعة وخرج إلى الصّلاة على الميت وأشرف بنفسه على مراسم الدفن كما تعوّد أن يفعل...
اقشعرّ جلده رعبا لمجرّد أن راودته فكرة نبش القبر بنفسه خلسة ودون إعلام أحد. فهذه مغامرة غير مضمونة العواقب. فمن سيصدّق روايته لو اكتشف أحدهم الأمر؟
ماذا لو اكترى ولد الحفيانة ليقوم بالمهمّة؟ لا، لا، لا ما هذه الحماقة؟  منذ متى كان للمنحرفين عهد وأمان؟ أمثال هؤلاء لا يؤتمنون على الأسرار؟ 
ما هذا القدر الأخرق الذي جاء به من فرنسا في ذلك الوقت ليدفع به إلى تولّي إنزال الميّت ووضع اللحود عليه؟ ولكن هل كان ممكنا ألاّ يفعل؟ فالحاضرون يومها قليلون ولم يتقدّم أحد منهم للقيام بالمهمّة... ألا يكفي أنّ السلفيين منعوا الصلاة على صديق عمره ومنعوا دفنه في المقبرة، فخاف أغلب أهل القرية ولم يخرج في جنازة الميّت سوى شقيقاه وصهره لتنضاف هذه المشكلة؟
في الأخير اهتدى إلى أنّه لا خيار له سوى إعلام مركز الحرس الوطني، وهم سيجدون له حلاّ... نعم، سيكتفي بإبلاغ السلطة دون إفشاء الأمر بين الناس، وعندها سيتخفّف من العبء الذي سينتقل من على كتفيه وضميره إلى مكاتب السلطة وملفّاتها...
مرّ إلى التنفيذ بسرعة مخافة أن يغيّر رأيه من جديد فتستبدّ به الحيرة. أفاده رئيس مركز الحرس الوطني أنّ عليهم الانتظار أكثر من أسبوعين قبل وصول إذن وكيل الجمهورية بفتح القبر.
واصل حياته عاديّة عملا بنصيحة رئيس المركز حتى لا يلاحظ عليه أحد أيّ تغيّر. وبادر إلى الاتصال بشركة الطيران ليؤجّل تاريخ تذكرة العودة إلى فرنسا بشهر... لم تقتنع زوجته بتبريره لتمديد بقائه بينهم بكونه لم يشبع من الأسرة والأهل... واحتارت بين أن تفرح بذلك وأن تتشاءم منه... فالرّجل ما انفكّ يشتم البلاد وأهلها ناعتا إياهم بالتخلّف والانحطاط، ولا يخفي احتقاره للسلفيين الذين يسيطرون على القرية وهو ما قد يعرّضه إلى مكروه. خمّنت في خاطرها: "من الأفضل أن يعود إلى بلاد العكري بأسرع وقت. ولم لا يتدبّر حاله ويأخذنا معه لنستريح من هذه الغمّة؟"
فرح الزوج لمّا جاءه عون الحرس باستدعاء إلى المركز، وفهم أنّ الترخيص بفتح القبر قد وصل ومعه الخلاص من الورطة، فسارع إلى مرافقة عون الحرس.
استقبله رئيس المركز ليعلمه أنّهم اتّصلوا بالترخيص من يومين وأنّهم قاموا بفتح القبر ليلا ولم يجدوا حافظة أوراقه هناك. فأظلمت الدنيا في عينيه وثار في وجه رئيس المركز: "ولكنّني متأكّد أنّ حافظة أوراقي سقطت مني هناك لمّا سجّيت الميّت في قبره. جميع وثائقي فيها. جواز السّفر وبطاقة الإقامة في فرنسا، وبطاقة البنك وأوراق السيارة وبطاقة التغطية الصحية... حياتي كلّها هناك؟ كيف سأتصرّف الآن؟ كيف؟"... انتظر  رئيس المركز أن يهدأ الرّجل ليقول: "المشكل الأكبر ليس في ضياع الأوراق، ولكن في كوني مضطرّ إلى إيقافك وإحالتك على التحقيق بسبب البلاغ الكاذب، وإزعاج السلطة". وأشار إلى الأعوان للاحتفاظ به...