samedi 4 juin 2016

الحجرة ما تذوب...


التقيته صدفة في مربض للسيارات. لم أتعرّف عليه للوهلة الأولى. لكنّ اضطرابه وهو يسارع إلى وضع نظّارتيه الشمسيّتين وافتعاله لمكالمة تلفونية وهو يستعجل فتح باب سيّارته جعلاني أتملّى النظر فيه. فهمت أنّ ذلك الشحوب الذي اعترى وجهه هو الذي جعلني لا أتعرّف عليه. لست أدري لماذا اضطربت بدوري وتسارعت دقّات قلبي. هل هي الرّغبة في الانتقام؟ أم هو وقع المفاجأة لا غير؟
آخر مرّة رأيته فيها، كانت صباح 12 جانفي 2011، لمّا تجمّعنا في قلب ساحة المعهد أنا وبعض الزملاء في انتظار وصول البقيّة كي نلتحق بالاجتماع النقابي بكلّية الآداب.
كلّية الآداب هي الدّار الكبيرة التي تأوينا وتجمعنا. منها نستمدّ إحساسنا بالانتماء إلى الجامعة. أمّا بقية المؤسّسات المحيطة بها فمراكز تكوين مهني لا غير. نتردّد على مكتبتها الثرية ونحضر مناقشات الأطروحات في التاريخ والآداب والحضارة فنصغي بإعجاب إلى مداخلات الدكاترة الأجلاّء، ونقلّدهم عندما ننتصب أعضاء في لجان المناقشة...
لم نختر أن نقف تحت العمود حيث يرفرف ذلك العلم البالي الذي مزّقته رياح الشتاء، ولكن يبدو أنّ وجودنا هناك استفزّ المدير أكثر وأعطانا نحن شحنة معنوية. كان يرمقنا من بعيد وهو يدسّ يديه في جيوب جمّازته البنّية الفائضة بوضوح على كتفيه والساقطة إلى ما فوق ركبتيه كمعطف وتيّارات الهواء تعبث بربطة عنقه البنفسجية اللمّاعة وتشوّش خُصَيْلات شعره الطويلة التي يسحبها بعناية من اليمين إلى اليسار ليغطّي بها صلعته القبيحة. وفيما كان يرسل إلينا تهديداته من خلال تلك الضربات الخفيفة والمتتابعة بحذائه كاشفا عمّا يعتمل داخله من توتّر ومراوحا بين نفث دخان السيجارة والدوس على أرقام هاتفه، قلت لزملائي: "هو هناك ليقول لنا أنّه يتابع حركاتنا ويثني زملاءنا المتردّدين عن الالتحاق بنا." ضحكت الزميلة "ي" بصوت مسموع مستفزّة إيّاه في حين أشعلت "خ" سيجارة راحت تنفث دخانها باتجاهه...
فجأة، تناهى إلى أسماعنا هدير أصوات قادمة من كلّية الآداب المجاورة، فأمر لتوّه العمّال بإغلاق بوّابة المعهد الحديدية. لكنّ طلبتنا الذين سمعوا أصوات زملائهم القادمة صدّوهم. وقبل أن يهينوه أكثر، هرب المسكين إلى مكتبه بالطابق العلوي وراح يراقب المشهد من النافذة ويده لا تني تعالج الهاتف الجوّال.
ولعلّها المرّة الأولى التي انتفت فيها الحواجز النفسية والرّمزية بين الأساتذة والطلبة، حيث انتظم اجتماع مشترك لا فرق فيه بين طالب وأستاذ إلاّ بقدر انتصاره للجموع الثائرة في تالة والقصرين... وفيما راح عميد كلّية الآداب يدعو إلى التريّث لإنضاج موقف بحجم خطورة اللحظة، صاح في وجهه طالب "الثورة لا تحتاج إلى رجال مطافئ، اللحظة لا تحتمل الانتظار... الرصاص يخرّب أجساد أهلنا وأنت تنصح بالتريّث!؟"... بعدها مباشرة، انفضّ الاجتماع وخرجنا أساتذة وطلبة نجوب فضاء الجامعة مردّدين الشعارات لنجمّع أقصى ما يمكن من المتظاهرين... حضرني مشهد جون بول سارتر وهو يقتلع حجارة رصيف الحي اللاتيني بباريس إبّان انتفاضة ماي 1968 ليمدّ بها جموع الطلبة المواجهين للبوليس...
كانت آخر صورة احتفظت بها ذاكرتي لمدير معهدنا، وهو يقف وحيدا وراء النّافذة يصوّر بهاتفه المتظاهرين أحيانا ويجري به مكالمات أحيانا أخرى. هرب بعدها الرئيس وتهاوت السلطة كاستراحة شاطئية خشبية عصفت بها ريح الشتاء وأمواج البحر فتناثرت الواحها على رمل الشاطئ المهجور.
وفي فورة الثورة، سيطر عليّ الاعتقاد بأنّ التجمّعيين جميعا ماتوا أو هربوا إلى الخارج، إلى أن صادفته في مربض السيارات. حالما رأيته، قفز إلى خاطري التساؤل عمّا كان سيكون مصيري لو لم يهرب بن علي يوم 14 جانفي؟
ورغم صدمة اكتشاف أنّ التجمّعيين لم يندثروا، إلاّ أنّ اضطرابه وهروبه بعثا فيّ نشوة أنستني خيبتي. ولكنّ تلك الواقعة خلّفت لديّ كوابيس مزعجة تدور كلّها حول عودة التجمّعيين إلى الظّهور... صرت أراهم في منامي أشباحا تخرج من القبور ليلا وتنتشر في المدينة لتتسرّب من خلال الجدران مثل الكائنات اللامرئية إلى الإدارات والتلفزيونات والأسواق. انتبهت إلى أنّ رئيس شعبة حيّنا قد عاد إلى الإقامة في الحي منذ مدّة في غفلة من الجميع، ثمّ ما فتئ أن صار له مجلس صباحي في مقهى الحيّ مع جمع من الدستوريين والمتقاعدين . وبعده خرج أحد رجال الأعمال من السجن ليفتح مشروعا يشغّل عشرة شبّان من شباب الثورة وحماتها ووعد بتشغيل المزيد...
واليوم تلقّيت دعوة صداقة فايسبوكية من مديرنا التجمّعي وقد صار نائب رئيس جامعة. رفضت الدّعوة آليا، ولكنّني تلصّصت على جداره، فوجدت ألبومات صور كثيرة وهو يحتفل ب14 جانفي في ساحات العاصمة، وقرأت له تدوينة يقول فيها "مرحبا بك... أعرف أنّك ستزور صفحتي بعدما تتلقّى دعوتي وترفضها... أنا أيضا أتسقّط أخبارك. وقد علمت أنّك هاجرت للعمل بجامعة خليجيّة ... أمّا أنا فلم أمت بعد، ولم أغادر تونس... "
كان ابن اللّعينة يريد أن يغيضني، كأنّما كان على علم بكوابيسي.. لمّا تخيّلتُه يمدّ لي لسانه ساخرا ومتحدّيا، تَفَلْتُ في الهواء ودوّنتُ في خانة التعليقات هذه الجملة: "الحجرة ما تذوب والتجمّعي ما يتوب"