vendredi 24 juin 2016

"الشيريف" حبيب



كان يوما أغبش منذ صباحه، تطيّر منه كلّ من أطلّ برأسه خارج بيته فانكفأ سريعا في جحره وانطوى على نفسه مرجئا قضاء حوائجه إلى ما بعد العاصفة الرّملية. كانت الرّيح قد ظلّت طوال الليل تصفّر عبر شقوق النوافذ وتنحب في أسلاك الضغط العالي وتولول في الأزقّة منظّفة بعضها من القش وسلال البلاستيك ومحوّلة بعضها الآخر إلى مصبّ فضلات. وكأنّما جاء الصّباح ليؤجّج العاصفة حتّى صارت الرؤية لا تتعدّى المتر الواحد فأغلقت الدكاكين وانعدمت الحركة وخلت الشوارع إلاّ من بعض كلاب سائبة وقطط شريدة.
ما كان "الشيريف" حبيب رئيس فرقة حرس الحدود يفوّت الفرصة وهو الذي علّمته التجربة أنّ المهرّبين يستغلّون تلك الظروف المناخية لإنجاز أكبر عمليّاتهم. ولم تنفع توسّلات لطيفة لتقنعه بالبقاء إلى جانبها وتثنيه عن الخروج لمطاردة المهرّبين. كانت جاذبية التحدّي أقوى من غواية تلك البيطرية الشابّة التي زلزلت القرية منذ قدومها من العاصمة. لطيفة باحثة شابّة تعدّ أطروحة حول أمراض الماعز الصحراوي. سلبت تلك الفاتنة الغجرية الناهد عقول الرجال وصارت حديث الكبير والصغير بلباسها القصير وركوبها درّاجة نارية نفّاثة تنطّ بها فوق الهضاب الرّملية عند الأصيل لمّا تتسامق الظلال وتغلّف الحمرة تيجان الهضاب كما لو كانت تمتطي مهرة. هناك تعرّف عليها "الشيريف" حبيب وهو ينطّ بدوره فوق تلك الروابي بسيارة "الجيب" رباعية الدّفع. كان يعرف عنها كلّ شيء من خلال تقرير أمني مفصّل وصله قبل مجيئها. لم يتوقّع أن يتعرّف عليها في تلك الظروف، لمّا كاد يدهسها بسيّارته عن غير قصد... نزل ليعتذر لها فأحسّ كما لو أنّه صيّاد وقع على غزالة صحراوية. وفيما أدركت بأنوثتها إعجابه بها، لم تقو على إخفاء انبهارها برجولته التي كانت تنضح بالفحولة والبأس. كان وسيما في زيّه المبقّع بالأخضر والبنّي وحذاءه الطويل، وبتلك النظارات العاكسة للشمس والشاش الكاكي الذي يتلفّع به. قدّم لها نفسه واكتفى باعتذار خاطف ونصحها بأن لا تتوغّل بعيدا في الرمال...
في أحضان تلك الهضاب الرملية الحريرية تكرّرت لقاءاتهما، وكان لابدّ أن تنشأ علاقة حب بينهما هناك بعيدا عن أنظار الشباب والشيوخ المقرفصين تحت الجدران يراقبون الغادي والرائح ملفوفين في برانيسهم وقشاشيبهم الصوفية...
لمّا أصرّ على الخروج في أوج العاصفة، ساومته بأنّها ستخرج في أعقابه على درّاجتها النارية. ولكنّه كان قد استبق تهديدها بسحب مفتاح الدرّاجة وردّ عليها وهو يلفّ وجهه، عند باب البيت، بالشّاش الكاكي تاركا بالكاد فتحة صغيرة لعينيه: "لو صادفتك هناك، سأكون مجبرا على إيقافك"... ولم تصدّق كيف عاد بعد بضع دقائق ليدعوها إلى مرافقته على متن سيّارة "الجيب"... قفزت تلبس سروالها الدجينس وهي تردّد "أنت مجنون، أنت مجنون"...
وحده الشافعي، الذي كان في مكانه المعتاد متربّعا كراهب بوذي فوق خزّان مياه القرية في أعلى التلّة الفاصلة بين القرية من جهة الشرق والصحراء الحدودية من جهة الغرب، هو الذي شاهد سيّارة "الجيب" ترتفع في الهواء وتهوي في عمق أخدود رملي ثم تنقلب عدّة مرّات. ولكن لأنّه اعتزل الناس وصام عن الكلام من سنوات دون أن يعرف الناس لذلك سببا واضحا، فقد ظلّ الشافعي صامتا إلى أن دلّ كلب "الشيريف" حبيب الناس من الغد على مكان الحادث.
كانت العاصفة لا تزال على أشدّها، لمّا غادرت الشاحنة العسكرية نحو العاصمة حاملة الجثّتين. ربّما فرح بعض الشباب بموت "الشيريف" حبيب وعشيقته البيطرية، إن لم يكن بسبب الغيرة من قصّة الحب المحرّمة في عرف القرية، فبسبب الشماتة في من ضيّق الخناق على نشاطهم في تهريب الزطلة والمواشي.
وكما لو أنّ الجميع ضربوا لبعضهم موعدا هناك، تحوّلوا حال مغادرة الشاحنة إلى حانة القرية... قاعة فسيحة خفيضة الجدران، لا شبابيك بها. تتدلّى من سقفها مروحة كهربائية غطّاها الغبار وخراء الذباب، تبدو في دورانها البطيء مترنّحة كأنّها تهدّد بالسقوط. طاولات عرجاء عليها غبار وبقايا أكل موزّعة في فوضى على أرجاء القاعة المظلمة.
كان أوّل الواصلين إلى البار مهرّب المواشي عمّار. أسند مرفقه إلى مقصف الحانة وهو يجلس على ذلك الكرسي العالي ثمّ طلب أربع قوارير جعة راح يفرغها في حلقه الواحدة تلو الأخرى دون توقّف. تجشّأ بعد ذلك وطلب من النّادل حسن أن يقدّم شربا على حسابه لكل الحاضرين. ثمّ أخرج من جيبه لفافة سميكة من الأوراق النقدية المشدودة برباط مطّاطي وجعل يلعب بها كمروحة صينية.. كان يقف قبالته على الطرف المقابل من المقصف صديق طفولته رياض. يعمل رياض مفتّشا بفرقة الأبحاث في مركز المحافظة، ولكنّه كثير التردّد على القرية وبارها. لم يتوقّع عمّار من رياض ردّة فعل كتلك التي أتاها لمّا شاكسه قائلا "رحم الله "الشيريف" حبيب. كان رجلا شريفا بحق، رغم سعيه إلى مصادرة قطيعي من الماعز الغربي وتمكين عشيقته من إجراء تجاربها عليه..." فوجئ عمّار بالمفتّش رياض يسحب مسدّسه من جيب الجلد المثبّت على خاصرته ويديره في الهواء حول سبّابته صارخا بلسان متلعثم "الشيريف حبيب حي ما ماتش"... تهامس موظّف البنك وقابض البريد ومتسوّغ المسلخ البلدي الذين كانوا جالسين في طاولة الأكابر وراء المقصف داخل فضاء العمل، وانسحبوا على رؤوس أصابعهم.
ثلاث طلقات كانت كافية لتسقط حزمة الأوراق المالية من يد عمّار وتتناثر أوراقها على الأرض قبل أن تعبث بها المروحة الكهربائية وتطيّرها في الهواء. وبفوهة مسدّسه الساخنة كالجمرة رفع المفتّش رياض ذقن عمّار المرتجف كالقصبة مهدّدا إيّاه: "لو تأخّرت لحظة في هذا المكان، سأفرغ الطلقة القادمة في دماغك" وفيما كان المفتّش رياض يطلق الرّصاص خلف قدمي عمّار الهارب، صدح صوت سكران من داخل المبولة بموّال صحراوي حزين لأحمد الخليفي.
https://www.youtube.com/watch?v=fWpqk8NFgWA