jeudi 16 juin 2016

La TPF

شغل سي الشريف خطّة كاتب عام لمؤسّسة جامعية معروفة طوال عشرين سنة. خطّة مهمّة تعطيه امتيازات مدير إدارة مركزية بما تعنيه من سكن وظيفي وسيّارة إدارية ووصولات بنزين ومهمّات وسفريات ومنح وظيفية. هذا، عدا ما تتيحه من نفوذ ووجاهة وما تفتحه من آفاق وعلاقات مع ذوي الشأن. لكم تمنّى سي الشريف وسعى إلى أن يكون وفيا لاسمه، لكنّ للوظيفة أحكامها التي لا ترحم. ولم تكن تلك المدحية السخيفة التي يردّدها على مسامعه أغلب الموظّفين وعدد عير قليل من الأساتذة "سي الشريف، أنت اسم على مسمّى" لتغيّر من طبيعة تقديره لنفسه ولحقيقته. كان يحتقر أصحاب تلك الجملة الممجوجة التي تقطر تزلّفا وكذبا كلّما ردّدها على مسمعه أحد موظّفيه معتقدا أنّه الوحيد الذي تفتّقت قريحته المدحية عليها.
ولئن نجح سي الشريف في إمساك العصا من الوسط، حيث تعفّف عن تحرير تقارير للوشاية بالناشطين السياسيين والنقابيين من الطلبة والأساتذة، وفي نفس الوقت كان صارما وشديدا في منع الاجتماعات والمعلّقات غير المرخّص بها، لكنّه كان يعيش أصعب أيّامه كل سنة مع اقتراب اليوم الوطني للتضامن الذي تتجنّد فيه جميع الإدارات لجمع التبرّعات المالية لفائدة الصندوق الوطني للتضامن 26-26. فالتعليمات واضحة لا تتغيّر بضرورة جمع التبرّعات والتنقّل بها إلى رئاسة الجامعة مدعومة بكشف في أسماء المتبرّعين، والتسابق يكون على أشدّه لحيازة رضاء رئيس الجامعة. كفّ سي الشريف عن هرسلة الموظّفين منذ السنوات الأولى لمّا لاحظ فتور حماسهم للتبرّع وما كان ليتجرّأ على طرح الموضوع على الأساتذة الذين كانوا موزّعين بين سليط اللسان الذي يوشك أن يشتمه هو وصندوق التضامن وفائق التزلّف الذي يفضّل أن يقدّم تبرّعه في الاحتفال الحزبي بمقرّ التجمّع حيث تحضر الصحافة والمسؤولون السامون بالحزب والدّولة.
توصّل سي الشريف إلى حلّ أقنع به نفسه وزوجته وطفق يمارسه للمحافظة على وظيفته بما فيها من امتيازات. كان سي الشريف يقترض مبلغا من البنك كلّ سنة ويقسّمه على أسماء من المؤسّسة موهما رئيس الجامعة بمشاركتها في الحملة التضامنية. ويظلّ طوال السنة يسدّد ذلك المبلغ على أقساط شهرية. ما كان يؤلم سي الشريف ليس عبء المبلغ الذي يدفعه، فقد أدرجه ضمن موازاناته المالية العامّة وانتهى إلى اعتباره ضريبة على الخطّة الوظيفية يحلو له أن يسمّيها la TPF اختصارا لعبارة (Taxe sur le Poste Fonctionnel). لم يكن مصدر انزعاجه كذلك أنّه يدفع لحساب غيره، لأنّ تلك الصيغة التي توصّل لها كانت على أيّة حال أحفظ لكرامته من نظرات الاحتقار وهمسات الموظّفين والأساتذة كلّما طلب منهم التبرّع. ما كان يقلقه هو فقط إحساسه أنّ الجميع على علم بالمسرحية موظّفين وأساتذة ورئيس جامعة وصحافة ووزيرا وحكومة ورئيسا، ولكن لا أحد يبدو منزعجا.
جاءت الثورة وتمّ تسريب الأرشيف من مكاتب الجامعة، ولعب الجميع دور المتفاجئ بوجود قائمات تضمّ أسماء مواضبة على التبرّع سنويا لفائدة صندوق 26-26 لموظّفين وأساتذة جامعيين معروفين بنضالاتهم السياسية والنقابية. واستخدمت تلك القائمات في المزايدة الانتخابية والابتزاز السياسي. أمّا سي الشريف فقد انسحب في صمت بعدما أحيل على التقاعد ليشغل نفسه بكتابة مذكّراته عن تجربته مع الموظفين في المكاتب المغلقة. مذكّرات يعتقد سي الشريف جازما أنّها ستكون هي المفاجأة الحقيقية حول طبائع الناس المخفية...