mercredi 15 juin 2016

قصّة نجاح Success Story

لو كان لابدّ من اختصار شرف الدّين في صفة واحدة لا غير، لاخترت له من الصفات العجلة. فهو لم يستغرق وقتا طويلا كي يكشف لوالديه زيف أملهما فيه كابن بكر. حيث وفّر عليهما تعب الانتظار ومشقّة الإنفاق على دراسته، رغم أنّه لم يكن للأسرة من أمل سواه في دفع الخصاصة عنها. لم يفقد والداه الأمل فيه رغم انقطاعه المبكّر عن الدراسة لأنّ الأمر لم يكن في نظرهما مرتبطا ضرورة بالنجاح الدراسي والحصول على شهادة.
لم يمنعه الفقر وسوء التغذية من أن يكون فارع القوام، قويّ البنية، وسيم المحيّى منذ طفولته المبكّرة. كان والده يحدّث زوجته في خلواتهما عن أمله في أن يرى ابنه ذات يوم لاعب كرة أو ملاكما أو عدّاءا مشهورا، أو ربّما فنّانا شعبيا محبوبا من الجماهير... كان يؤكّد لزوجته أنّ أغلب الرياضيين المتفوّقين في العالم ينحدرون من أوساط شعبية وكذلك شأن الكثير من الفنّانين. وكانت أمّ شرف الدّين تتنهّد كلّما طوّح زوجها بخيالها وتغمض عينيها وهي تبتسم لترى ابنها فوق منصّات التتويج والميداليات تحلّي عنقه أو وهو ماسك بالمايكروفون ويرقص على طريقة الهادي حبّوبة في قميص فضفاض من السّاتان اللمّاع...
لم تكن آمال والده مؤسّسة على فراغ، فقد أظهر شرف الدّين منذ البداية تفوّقا على أترابه في الألعاب الرياضية والمواهب الغنائية، حتّى أنّ "مزاودية" القرية كانوا يستعينون به لضبط الإيقاع كلّما رغب أحدهم في أخذ استراحة "يقلب" خلالها "طاسات لاقمي" على عجل في حلقه. وفي تلك الأجواء ذاق شرف الدين أولى "طاساته" وكان يرضى بما يعطونه من نقود قليلة في انتظار أن يشتدّ عوده ويفرض نفسه نهائيا. كان والده يشجّعه ويفاخر به ندمانَه في جلساته الخمرية مع الخمّاسة في غابات النخيل. ورغم أنّ شرف الدين سرعان ما وجد نفسه في السّجن إثر معركة دامية في أحد الأعراس، إلاّ أنّ والده ظلّ يردّد في عناد ومكابرة أنّ السّجن هو أكاديمية الفنّان الشعبي. ويستشهد بقولة المسعدي أن الفنّ معاناة أو لا يكون، إذ بالمعاناة ينضج الفنّان ويتطوّر. ولا ينسى أن يشرح لجلسائه أنّ المعاناة هي ما يسمّى في لغة الشعب "الدّمّار"...
دخل شرف الدّين السجن وهو في الثامنة عشر من عمره ليغادره بعد ستّة أشهر وقد غدا رجلا مكتمل النضج قبل الأوان، بجسد يكسوه الوشم وبدماغ لا يغمض لها جفن قبل أن تدخّن "جونتة"، وبإيمان في صلابة الصخر بقيمة الأمّ... صار شرف الدين مهاب الجانب مستجاب الرّغبات. يدخل جميع نزل المدينة ومطاعمها وحاناتها فيأكل ويشرب دون أن يدفع فلسا واحدا. ولكنّ والدته هي الوحيدة التي كانت تعرف كيف تروّضه وتجعله ينصت إليها حتى وهو سكران.
تعرّف شرف الدّين مرّة على سائح ألماني أشقر يدعى مايكل كان قد دعاه إلى منادمته على حافّة مسبح نزل الواحة... بالغا في الشرب معا حتى انصرف آخر الحرفاء فتمدّدا على تلك الكراسي الطويلة كالأسرّة جنبا إلى جنب، وقام شرف الدين ليلتها بواجب الضيافة كأحسن ما يكون فشرّف بني جلدته وأثبت رجولتهم للأوروبيين. وقبل أن ينتهي شهر العسل، اتفق مايكل مع شرف الدين على أن يسافر هو أوّلا ومن ثمّة يرتّب له ملف استقدامه إلى ألمانيا...

ابتسم شرف الدّين لمايكل وهو يوقّع عقد شراء نزل الواحة مع صاحبه، وفكّر في سرّه "ما أسرع ما يمرّ الزّمن... بالأمس القريب عرفت شريك حياتي هنا وأنا مشرّد مفلس. واليوم ها أنا أشتري نزل الواحة. الحمد للّه أنّني لم أخيّب ظنّ المرحوم فيّ. ما رضاء اللّه إلاّ برضاء الوالدين". أطلقت الحاجّة أمّ شرف الدّين زغرودة حادّة والدّمع يفيض من عينيها سعادة بنجاح ابنها... كانت الخالة خديجة عاملة النظافة بنزل الواحة التي تعرف شرف الدين منذ أيّام الصياعة تراقب المشهد في صمت وتمنّي النفس بأن يفوز ابنها الصادق بخطيب من نوع مايكل...