samedi 30 juillet 2016

صدفة

اصطدمت به صدفة في الشارع الرّئيسي. تعمّدت النزول إلى العاصمة باكرا لاقتناء "ماكينة السعادة" و"السيدة الرئيسة" و"باغندا" قبل أن يصحو السكّيرون من نومهم وينتشروا في المدينة متحيّلين على أمثالي من الطيّبين لتصيّد ما تيسّر من القوارير. كنت على شبه يقين بعدم ملاقاة أي من تلك الوجوه التي كم نفّرتني من العاصمة ومقاهيها. ولكنّني لم أحسب له حسابا.
في الممشى العريض الذي يتوسّط الشارع أقيم معرض عن حقوق الإنسان تضمّن معلّقات مناهضة للتعذيب ومدافعة عن الحق في الشغل والبيئة النظيفة والصحّة... قلت أستطلع ما في المعلّقات وأقرأ الوجوه وما تحمله من تعبيرات في انتظار أن تفتح مكتبة الكتاب. كانت المعلّقات محمولة على سيقان خشبيّة مثبّتة في أحواض ترابية بها أزهار ذابلة غمرتها أعقاب السجائر. وكان هو يقف أمامي يقرأ ما في المعلّقات ويتمتم بما يشبه السباب ثمّ يبصق في أحواض الزهور ويحرّك رأسه تعجّبا واستنكارا. أجبرتني رائحة الكحول العطنة التي تفوح منه على الابتعاد عنه قليلا وأنا أتأمّله من خلف: شعره الأشعث المتلبّد، بنطاله الفضفاض النازل تحت خصره، قميصه الوسخ بخطوط العرق البيضاء وبقع الزيت التي تتخلّله. كنت أتأمّل معلّقة بالأسود والأبيض فيها جمهرة من الأمريكان العاطلين عن العمل سنة 1929، وقد تجمّعوا في شارع كبير بمدينة نيويورك لتسجيل أسمائهم لدى موظّفي وكالة التشغيل الأمريكية التي نصبت مكاتبها في قلب الشارع. "ما شاء اللّه، ما شاء اللّه" ردّدت في سرّي. "عاطلون عن العمل بقبّعات أنيقة ومعاطف كشمير وربطات عنق وأحذية ملمّعة" فوجئت به يبصق على المعلّقة ويستدير ناحيتي هامّا بالانصراف فاصطدم بي. وجدنا أنفسنا متواجهين صدرا لصدر، أنفا لأنف، نفسا لنفس، عطرا لعرق. عرفته على الفور، ولمحت في بؤبؤ عينيه لمعة تشي بأنّه عرفني هو الآخر... ولكنّنا تجاهلنا بعضنا... محمّد الخريجي زعيم التيّار اليساري الذي كنت أتعاطف معه أيّام الجامعة في ثمانينات القرن الماضي. محمّد الخريجي الذي كانت الآلاف تخرس لسماع خطاباته النارية وتحاليله العميقة لطبيعة النظام والمرحلة...
هكذا في لحظة لم أخترها، وفي موقف لم أخطّط له، وجدت حياتي كلّها موضع أسئلة حارقة... في أي شيء بالضبط كنت أفضل منه حتّى أجد نفسي بعد ثلاثين سنة أستاذا معارا بالخليج ويكون مصيره هو الجنون والتشرّد؟ أتأمّل بصقته السائلة على وجوه الأمريكان في المعلّقة وأبلع ريقا بطعم الخيانة وأنصرف... ربّما كان ذنبه أنّه أحبّ البلاد أكثر من نفسه...