mardi 23 août 2016

تأبين


كان اهتمامه في السنوات الأولى التي تلت قدومه إلى العاصمة منصرفا إلى الاقتراب من المشاهير والتقاط الصّور معهم. ولم يكن ذلك بالأمر السّهل لذلك الطّالب الفتيّ القادم من الجنوب. فقد كان عليه أن يتحمّل الاحتقار والإذلال والصدّ وتعنيف الحرّاس الشخصيين والشرطة. كان يتدبّر أمره للفوز ببطاقة دعوى إلى مهرجان ويتردّد طيلة أسبوع على حديقة الرياضة أ كي يحصل على بطاقة دخول لمباراة فريقه المفضّل في نهاية الأسبوع. سعادته، كل سعادته هي في الفوز بصورة فوتوغرافية إلى جانب الطّاهر الشايبي أو أحمد حمزة. يحتفظ بكل صوره الثمينة في ألبوم خاص لا يفارقه في تنقلاته بين العاصمة وقريته بالجنوب التونسي. وحتّى يصدّق النّاس ما يرويه لهم من تفاصيل دقيقة عن حياة المشاهير كان عليه أن يقرأ كل الحوارات التي يتحدّثون فيها عن أكلتهم المفضّلة أو عن حكمتهم في الحياة. فينسج منها وقائع خيالية يحشر فيها نفسه ويرويها على أبناء قريته في المقهى أو على أفراد العائلة وهو يقلّب صفحات الألبوم. كأن يقول "ذات مرّة، كنت أتناول صحنا من الأرز الجربي مع "مجدة" عند بنت الباي..." فيقاطعه أحدهم "من يكون مجدة هذا؟" فيبتسم محرّكا رأسه كالمشفق على السائل ويواصل: "أقصد صديقي عبد المجيد بن مراد، لاعب الترجي، نحن أصدقاء رغم علمه بحبّي للإفريقي"...
بعد محاولات متعدّدة في مراسلة الصحف لنشر مقالات قصيرة عن مقابلات رياضية أو سهرات موسيقية، نجح في رؤية اسمه على صفحة جريدة حديثة التأسيس، بل وتلقّى منها عرضا للكتابة فيها كمتعاون بمقابل، وهو ما لم يكن يحلم به أبدا... والحقيقة أنّ أسلوبه في الكتابة كان أجود من كثير من الصحافيين المعروفين. فرح بالعرض لأنّه سيمنحه تلك البطاقة التي ستفتح له الأبواب كلّما استظهر بها أكثر من فرحه بالمقابل المادّي رغم حاجته الماسّة إلى لمال. كبرت أحلامه وصار يطمح إلى مرافقة الفرق الرياضية والفنّية في رحلاتها الخارجية لتغطية أنشطتها وإنجازاتها. لكنّه ما لبث أن اكتشف زيف أحلامه، لأنّ اقترابه أكثر من النجوم وإن كان قد سمح له بالتقاط المزيد من الصور معهم وهو ما حوّله إلى نجم محترم في قريته حيث صار يجالس المسؤولين المحليين ويجلس في الصفوف الأمامية في المناسبات العامة، إلاّ أنّه اكتشف أنانية وتكبّر أغلب النجوم.
انصرمت السنوات وهو يساير الوضع بانتظار فرص أفضل حتى صحا على فصله من الدراسة الجامعية نتيجة رسوبه المتكرّر وبلوغه سن الأربعين.
والحقيقة أنّه لم يخطّط أبدا للتخصّص في تأبين الأموات من المشاهير. لكنّ نجاح ما كتبه عن انتحار أديب معروف من جيله جعله يعيد التجربة ثانية وثالثة حتى تحوّل إلى مختص. كانت وصفة النجاح بسيطة، وبذرة التخصّص موجودة فيه من زمان بعيد. فطالما أنّ الشخص الذي سيكتب عنه ميّت، يمكنه أن يكتب عنه ما يريد دون أن يستطيع أحد تكذيبه. تأتي أغلب مقالاته على شاكلة "عرفت صديقي يوسف شاهين في حفل عشاء أقامه في بيته على شرف ضيوف مهرجان القاهرة السينمائي" أو "التقيت عبد الوهاب البياتي أوّل مرّة سنة 1976 في مهرجان المربد الشعري ببغداد، الذي تحوّل إلى موعد سنوي نضربه كي نلتقي على ضفاف دجلة والفرات في مطاعم شارع الرشيد" أو "لم أكن أعرف أنّ ذلك الرجل البدين الأسمر الضاحك الجالس في مكتب صديقي أنطوان خوري رئيس تحرير جريدة السفير البيروتية بالطابق الثامن من تلك البناية المشرفة على شاطئ الرّوشة، هو لطفي الخولي... لم نخرج من مكتب أنطوان إلاّ ونحن واضعين يدينا على كتفي بعض كما لو كنّا صديقين من سنوات طويلة"... هكذا يتحوّل المقال من حديث عن الفقيد إلى حديث عن الذات. فهو دائما محور المقال. أمّا المتوفّى فمجرّد ذريعة للحكي وتمجيد الذات وإبراز بطولاتها، مع التورية على ذلك بذكر مناقب الفقيد والأسف على الزمن الجميل. ولا ينسى طبعا تحلية المقال بصورة له مع المتوفّى.
عندما تأسّست الإذاعة الثقافية، قدّم مشروع برنامج إلى مديرها عنوانه "غادرونا هذا الأسبوع" شرح فيه فكرة البرنامج ومحاوره. وحرص على أن يوسّع دائرة المشمولين بالبرنامج لأنّه لا يضمن أن يموت كلّ أسبوع مثقّف، فجعل البرنامج مفتوحا على الصحفيين والرياضيين والسياسيين والنقابيين من التونسيين أوّلا ولكن لم لا العرب؟ وهكذا صار يتصيّد أخبار الوفيات في كلّ المصادر ويفرح للوفيات المهمّة ويحنق على كسل عزرائيل في بعض الأسابيع....

هذه بطاقة تأبينية لأحد معارفي اختص في تأبين الموتى، أردته أن يقرأها قبل وفاته حتى يعرف ما سيقال عنه بعد موته، وحتى لا يعاتبني أحد بعد وفاته بالقول "اذكروا موتاكم بخير"، أو ربّما متّ قبله فتضيع منّي فرصة تأبينه...