jeudi 8 septembre 2016

غابة

ركن السيّارة في محطّة غسيل بالطّريق الحزامية، تقع في تلّة مرتفعة تشرف على العاصمة. كانت سحب الخريف التي صارت تتكثّف كلّ عشيّة تعطي انطباعا بحلول الغروب قبل أوانه وتهدّد بالإمطار بين الحين والآخر.
دلف إلى كافيتيريا المحطّة وطلب قهوة راح يترشّفها من وراء البلّور. قال أقرأ صفحات من رواية "مكينة السعادة" لصديقه كمال الزغباني، ريثما يجهّز عامل التنظيف السيّارة، وقد جعل يطشّها بالماء المضغوط بواسطة خرطوم طويل، ويمرّر عليها رغوة الصابون. لكنّه بدل القراءة وجد نفسه يرتّب محتويات حافظة أوراقه المعلّقة في رقبته على طريقة عمّالنا بالمهجر. خطيّتان مروريتان غير خالصتين، إعلام بحكم في قضية ثلب وهضم جانب موظّف، مطبوعة تسجيل بالوكالة العقارية للسكنى للحصول على مقسم ترابي، دفتر ادّخار بنكي، كشوفات في تبديل عملة أجنبية، وصفة طبّية لاقتناء أدوية السكّري والضغط والكوليسترول، عقد اشتراك في خطّ هاتفي جوّال.
انتبه إلى المطر وقد بدأ يرسل زخّات قويّة على بلّور الكافيتيريا. كان عامل التنظيف قد توقّف عن العمل ولجأ إلى داخل الكافيتيريا يتابع مباراة باهتة ورتيبة من الجولة الأولى للدوري الوطني لكرة القدم.
عاد يتهجّى تفاصيل المنظر العام للعاصمة من موقعه في الكافيتيريا. لاحظ كيف ازدحمت محطّة النقل العام بالعمّال والموظّفين الذين أنهوا يوم عملهم وجاؤوا ينتظرون الحافلات.
غريب كيف صار يتحاشى التوغّل في العاصمة على عكس عادته لمّا كان لا يتحمّل مرور يوم دون النزول إلى السونترفيل. تحوّلت العاصمة عنده إلى غابة مخيفة ملأى بالوحوش الضارية. حتّى المآذن التي كم كانت تبعث في نفسه الطمأنينة والسكينة بدت له منتصبة كالمشانق، ربّما بسبب سيطرة السلفيين المتشدّدين عليها وما يحيط بها من مظاهر التجارة بالكتب الجهادية والملابس الأفغانية والمسك والعنبر الخانقين. كم سلك الطريق من هذا المحوّل باتجاه باب سعدون ومنه باتجاه مستشفى شارل نيكول، ثم انعطف يسارا ليغوص في المدينة العتيقة بحواريها يمينا من باب بنات والقصبة وباب منارة وباب جديد فالصباغين وباب الجزيرة وسيدي البشير أو شمالا من باب سويقة فالحلفاوين فباب الخضراء وصولا إلى الباساج وباب بحر. جولة هي أقرب إلى توهة وسرحة في المكان والزمان يشحن بها الرّوح والذّهن. وهاهو اليوم فاقد لأيّ رغبة في سلك تلك الطرقات بعدما غرقت المدينة في الأوساخ والظلام، حتى غدت كجثة في طور متقدّم من التحلّل. باعة الرّصيف وحوش، وسوّاق التاكسي وحوش، وكذلك أصحاب المطاعم والمقاهي وحرّاس مواقف السيّارات. الموظّفون والشرطة والمحامون والصحفيون والقضاة والأطبّاء ونوّاب البرلمان وقادة الأحزاب والنقابيون ورؤساء الجمعيات والطلبة والعاطلون عن العمل والأصدقاء والأقارب والمتسوّلون، الجميع دون استثناء فاغر فاه ينتظر الانقضاض على لقمة وهو يهرّ كقط يخشى المنافسة. الكلّ مظهر مخالبه، الكلّ يطالب، الكلّ يتّهم...
هممم هممم هممم هممم،
همهم همهم همم
غابة كلابها ديابة ديابة
نازلين في الناس هم
واللي يغمّض عينو
في رمشة عين يتهم
وهؤلاء الموظّفون والعملة في محطّة الحافلات يبدون كجنود تمّ تسريحهم من ساحة المعركة لأخذ نصيب من الرّاحة على أن يعودوا غدا لاستلام مواقعهم الهجومية. يصطفّون بانتظار حافلات تأتي ملآنة تجرّ بعض المسافرين جرّا فلا تتوقّف. يطاردها المنتظرون أمتارا قبل أن ييئسوا ويعودوا إلى الانتظار بجانب هذا الوادي الخندق المحاذي للطّريق والذي يغلّف الجو برائحة عطنة تنبعث من جثث القطط والكلاب التي تجلبها مياهه الآسنة...
استعجل عامل التنظيف بغمزة متواطئة ثم فتح "مكينة السعادة" ليغوص في عوالم شركة الدعارة التي يديرها ذلك الأعرج بطل الرواية. تداخلت عنده عوالم الرواية بعوالم الواقع، وتذكّر أنّ عليه أن يحضر فرق صديقه الذي مات من يومين... أغلق الرواية ورفع رأسه فلم يجد حافظة أوراقه...