lundi 24 octobre 2016

الباركينغ

تعوّد النّاس على رؤيته هناك في البطحاء الفسيحة طوال الوقت، غاديا رائحا، مطأطأ الرّأس ككلب يتشمّم الأرض بحثا عن شيء مفقود... وبين الفينة والأخرى كان يقرفص أو يتمدّد على الأرض مغمضا عينيه. ولا يتردّد في التبوّل أو التغوّط كلّما شعر بالحاجة إلى ذلك ولكنّه يفعل ذلك دائما في نفس المكان. ولم يكن أحد من المتردّدين على المكان يوليه اهتماما. كان بالنسبة للجميع معتوها أو بوهيميا مشرّدا يحسن تجنّبه وتركه لحاله.
يومها تأخّر في الاستيقاظ وظلّ متكوّرا حول جسده كالكلب في مكان نومه المعتاد، متلذّذا بأشعّة الشمس التي ما إن أشرقت حتّى أنعشته بدفئها. ولم ينتبه إلى حلول "بوراس" و"الرّوج" بالبطحاء وشروعهما في تنفيذ فكرتهما.
كانا على خلاف الجميع يعرفانه جيّدا، ويكنّان له كلّ التقدير والاحترام. ولم يكن باستطاعتهما أن يمرّا إلى التنفيذ دون عرض الفكرة عليه. ولم يكن يراودهما أدنى شك في أنّه سيرحّب بها ويثني على مبادرتهما. لكنّهما صدما به يقابل اقتراحهما بصمت طال أكثر من اللازم ثمّ يطلب منهما المغادرة فورا، وهو يرافقهما بنظرة ازدراء قبل أن يبصق خلفهما.
اعتبر "بوراس" و"الرّوج" أنّهما قاما بما عليهما من واجب التبجيل وحفظ المقامات لأصحابها. ولكنّ موقفه لم يثنهما عن تنفيذ فكرتهما، لأنّهما موقنان أنّ بطحاء بتلك المساحة الشاسعة لم تكن لتوجد في ذلك الموقع المختنق بالسيّارات على مقربة من المستشفيات والمحاكم والمكتبة والأرشيف الوطنيين والوزارات والكليات، دون أن تثير أطماع المتحوّزين على مواقف سيّارت خارج القانون. وليس هناك من هو أولى منهما باستثمار المكان الذي صرفا فيه نصف العمر.
لمّا فتح عينيه وتمطّى متثائبا، كان "بوراس" يقف في قلب شارع 9 أفريل ملوّحا بيده للسيّارات القادمة على مهل من باب سعدون، عارضا على السوّاق ركن سياراتهم في البطحاء، وكان الرّوج يمسك بهراوة في يده وينظّم حركة السيّارات داخل البطحاء مستخدما صفّارة مربوطة إلى عنقه.
اكتفى الرّوج بتطويقه بيده حتّى يشلّ حركته ووشوش في أذنه مهدّدا "لا تجبرني على إذايتك. عرضنا عليك الموضوع فرفضت. ولم نكن لنفعل ذلك لولا احترامنا وتقديرنا لك ولتضحياتك. دعنا نكسب قوتنا...". كانت بنيته لا تسمح له بالمقاومة... ولكنّه جعل يصرخ: "اتركني أيها الصعلوك... ليس من حقّكم أن تفعلوا هذا. من هؤلاء الغرباء الذين تدخلونهم على بيتنا الذي صرفنا فيه العمر ليدوسوا على ذاكرتنا وآلامنا. هل نسيتم  السيلون والكرّاكة ولارية؟!... تريدون أن تمسحوها من ذاكرتنا بعدما هدمتها الدولة؟ أنا لا أحب السّجن، ولكنّني أحرس الذاكرة من الضياع. هل نسيت كيف كان مجرّد شعاع من هذه الشمس الوقحة المستباحة كنزا يبعث فينا الحياة؟؟ هل نسيت صرير البوّابات؟؟ هل نسيت الأسوار العالية التي تعزلنا عن العالم؟ هل نسيت الأقبية؟ هنا، انظر هنا بالضبط حيث تقبض روحي الآن، عُلِّقْتُ من ساقيّ كفرخ دجاج وضُرِبْتُ بالفلقة..."
تجمّع أصحاب السيّارات حولهما، فغمز "بوراس" "الروج" كي يفكّ قبضته عن المسكين... ولكنّه ما إن استرجع أنفاسه حتى التقط حجارة وراح يرمي بها السيارات مهشّما بلّورها، وهو يصرخ: "حلّوا عنّي أيّها السفلة... اخرجوا من حياتي، دعوني وشأني..." ثمّ يلتفت إلى الرّوج صارخا في وجهه: " ماذا تريد منّي أيّها المجرم؟ أي نعم، كنّا سجينين سويّا هنا، ولكنّنا لم ندخل السجن لنفس الأسباب... اغرب عن وجهي أيّها اللقيط..."
كانت ضربة الهراوة على رأس المسكين من القوّة أن طشّ الدّم الذي تدفّق من جمجمته تلك الشجرة الوحيدة التي ظلّت موجودة من بقايا سجن 9 أفريل كأنّما لتشهد على الجريمة... لمّا أدرك "الروج" أنّه قتل الرّجل، تملّكته هستيريا وجعل يصرخ: "أبقوني هنا في سجني، فأنا لم أغادره، ولا أقوى على مغادرته...".