dimanche 26 mars 2017

زيارة أولــــى إلى دمشــق

سنة 2006، حضرنا مؤتمر الفرع الإقليمي العربي للمجلس الدّولي للأرشيف ببيروت، وقد خصّص لموضوع برامج التأهيل الأكاديمي لمهن الوثائق والأرشيف بالبلاد العربية. بعد انتهاء المؤتمر، قلنا لا يعقل أن نصل إلى مشارف أرض الشام، ولا نزور دمشق. وكان أن استقلّينا سيارة أجرة وقصدنا الشام (وتعني في لغة أهل لبنان وسوريا دمشق تحديدا)... المسافة بين العاصمتين لا تتجاوز الساعتين... سلكنا في البداية طريقا جبلية تغطيها الأشجار والثلوج. استراحة في مقهى بلّوري رائع متاخم لمدينة زحلة. مقهى يغلّفه الدفء وبخار المأكولات اللبنانية اللذيذة، يقع في تلّة عالية تشرف على سهل شاسع لا يحدّه البصر. استعجلنا سائق سيّارة الأجرة وهو يترشّف قهوته، وقال مشيرا باتجاه السهل: "هذا هو سهل البقاع، نقطعه لنجد أنفسنا عند البوّابة الحدودية. نعبر بعد ذلك سلسلة جبلية قصيرة تختبئ وراءها مدينة الشام...
وخلال عبورنا للسّهل سيطر على ذهني سؤال واحد: "هنا إذن كانت تدور رحى المعارك الطاحنة بين مقاتلي أمل وحزب الكتائب؟ كيف يستطيع طرف ما حسم المعركة لصالحه في ساحة مكشوفة كهذه لا تسمح بأيّ مناورة تكتيكية؟ لا تحتاج أن تكون خبيرا عسكريا كي تجيب ب "لا شيء غير التفوّق في العتاد والغطاء الجوّي"... فكّرت أنّ من يتورّط في مثل هذا السهل/المستنقع ويكون ضعيف العتاد وعاري الظهر والرّأس يتعرّض إلى إبادة شنيعة. ومن ثمّة وجدت نفسي أتساءل عمّا ستحتفظ به ذاكرتي من صور لبيروت بعد اسبوع من الإقامة فيها. هل هي الروشة؟ بالتأكيد لا، فذلك كليشي سياحي لا يختلف في شيء عن صخرة رفراف عندنا... هل هو شارع الحمراء الذي كم جبته جيئة وذهابا باحثا عن علامات تدلّ على مجده الآفل فلم أظفر بشيء من مناخاته التي كم قرأت عنها في الروايات وسمعت النجوم والفنّانين يتحدّثون عنها...  
ما رسخ في الذهن هو بالتأكيد ذلك التنافر الصارخ بين بيروت الجديدة المسمّاة سوليدير أو سوليتير التي شيّدها رفيق الحريري في أقل من خمسة عشر سنة بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في 1989، وبين بقايا العمارات التي خرّبها القصف ووشّم جدرانها الرصاص فبقيت واقفة فاغرة شبابيكها وأبوابها التي فقدت دفاتها وأخشابها كأفواه درداء سقطت أسنانها. بقيت واقفة رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاما على انتهاء الحرب. ربّما أرادوا أن يظلّ بعضها قائما كشاهد إدانة على فظاعة الحرب كي يكون درسا حيا للأجيال القادمة. 
في مقابل تلك الأطلال الخربة التي تتجاور مع عمارات مرمّمة، نبتت سوليدير، مدينة حديثة مذهلة في فخامتها وعظمة بنيانها على أنقاض بيروت القديمة التي محتها الجرّافات... ولكنّها للأسف مدينة بلا روح، مطاعمها نظيفة بالتأكيد ولكنّ مأكولاتها بلا نكهة أو رائحة، فتياتها ممشوقات القوام وأنيقات ولكنّهن أشبه بالدمى البلاستيكية في الواجهات البلّورية لعرض الملابس...
لم أنتبه إلاّ وسائق سيارة الأجرة يسألنا أين سننزل، فأجبت أنا ومرافقي كما لو كنّا قد اتفقنا على ذلك مسبقا "في السونتر فيل"
ساحة المرجة (وينطقها أهل الشام المرجي)، التي يمرّ تحتها نهر بردة... في المقاهي الشعبية المحيطة بالساحة حيث يكثر باعة المكسّرات والبن والهيل والتوابل، يجلس الشاميون يدخنون النرجيلة ويلعبون الطاولة (الكوتشينة) ويضحكون بأصوات عالية لا تفلح في إخفاء مسحة الكدر التي ترشح من النظرات... يحدّثونك عن نهر بردة الذي يسقي المروج المحيطة بدمشق القديمة. تضع ربّات البيوت الدمشقيات غداء أزواجهن في مواعين مقفلة ويرسلنها إلى المروج (المزارع) على ظهر النهر، فتطفو على الماء حتى تصل إلى وجهتها، حيث ينتظرها الفلاّح في مزرعته. لا تختلط المواعين، لأن لكلّ مزارع ماعونه المميّز . يسترسل الحديث مراوحة بين الترحيب بك وأحاديث الفخر بالشام والحسرة على أيّامها الخوالي والتعبير عن التوجّس من الحروب... الدمشقي مبتسم دائما، كلمنجي، وكثير التنهّد...
شارع يوسف العظمة، سوق الصالحية، سوق الحامدية، جامع الأمويين بدمشق وأسواره التي تنتصب تحتها عربات باعة الفول الساخن. الدمشقي والسوري عموما تاجر بالسليقة. رائحة القهوى المخلوطة مع الهيل تعبق في كلّ الأسواق والركوة لا تغيب عن أي محل تجاري. تدخل المحل مستفسرا عن أسعار البضائع المعروضة، فيرحّب بك صاحبه ويدعوك إلى شرب القهوة، قائلا القهوى أوّلا وبعدين نحكي في البيع والشراء. فلا تغادر المحلّ إلاّ وقد اشتريت منه إن لم يكن الكثير فالقليل.
زيارة إلى المقهى الذي شهد تأسيس الحزب الشيوعي السوري... وهناك، تجد نفسك أمام هرم طالما سمعت عنه وسمعته. تذهل لما يميّزه من بساطة. للوهلة الأولى، تفكّر في مصافحته وتحيّته. لكنّ هالة الوقار والحزن التي تحيط به تجعلك تتجمّد مكانك... لا تجرؤ على انتهاك عزلته فتكتفي بتأمّله من بعيد احتراما لحزنه. شيخ توغّل الهرم في جسده حتّى هـــــدّ كتفيه. متسربل بالصمت وغارق في العزلة، يبدو سابحا في تأمّلات بعيدة. إنّه الشاعر العراقي مظفر نوّاب... تعـــود إلى النزل مثقلا بصورة شاعرنا العربي الكبير  المهمـــــوم.
في اليوم الثاني كنّا على موعد مع مدير الأرشيف الوطني السوري الذي كنّا قد تعرّفنا عليه أثناء مؤتمر بيروت. رجــــل حبّاب ما عدت أذكـــر غير لقبه "الأطرش". لمّا علم بنيّتنا زيارة دمشق، دعانا إلى زيارة الأرشيف الوطني ومكتبة الأسد الوطنية. وصلنا إلى مكتبه باكرا، فوجدناه بانتظارنا. بناية قديمة جدّا وهرمة تكاد تسقط على من فيها... تشبه في شكلها ومعمارها المكتبة الوطنية التونسية بسوق العطّارين... بعد زيارة قصيرة، أهدانا مضيّفنا كتابا تراثيا في ثلاثة أجزاء عن تاريخ دمشق كان قد حقّقه بنفسه... ثمّ دعانا إلى اكتشاف الصباح الدمشقي... قال محدّثنا أنّ الدمشقي يبدأ يومه متفائلا ومقبلا على الحياة. وهذا كاف لتعليق قاعدة الحياء التي تحكم علاقته بالمرأة. فالتغزّل بالمرأة وجمالها على عيون الملأ مباح في الصباح ومستهجن في بقية اليوم. ذلك جزء من التفاؤل والإقبال على الحياة. يتنافس أصحاب المحلاّت وهم يفتحون أبواب محلاّتهم على إيجاد أعذب الكلام وأرقّ العبارات لإلقائها على مسامع العابرات اللواتي يتلقّين عبارات الغزل كما لو كانت ياسمينا يرشّهن به الرجال فيبتسمن في حياء. سمعت بعضا من هذا الغزل الذي يشبه الشعر المرتجل، فتذكّرت عبارات "لتبزنيس"  التي يتلفّظ بها تجّار نهج جامع الزيتونة ونهج القصبة على شاكلة “نعمل أثناش و مانبطاش”، “شعندك ملوطة يا حوتة”. “تركحلي نهزك للنّحلي”... أووووه يا للفجاجة والقبح....
الفطور الدمشقي مخلّلات وسلطات أو مرق الحمّص الشبيه جدا باللبلابي عندنا لولا غياب الهريسة العربي... يتقدّم الصباح شوطا وتبلغ حركة الأسواق والشوارع ذروتها، فيسيطر مشهد النساء الإيرانيات في عباياتهنّ السوداء وهن مقرفصات أو يجررن حزم القماش والملابس التي اشترينها من الأسواق، حتى يخيّل لك أنّ أسواق دمشق ستفرغ من بضائعها عند المساء... في المساء، تتلألأ أضواء جبل قسيون فتكتشف مدينة عمودية معلّقة في الهواء كجدارية عملاقة...
يومان في دمشق غير كافيين لاكتشاف المدينة وثرائها الثقافي والمعماري... هل تعمّدت ذلك كي أجد لنفسي مبرّرا للعودة مرّة أخرى وأطول... ربّما...
لا رغبة لي في زيارة بيروت ثانية، ولكنّني أتحرّق شوقا إلى زيارة دمشق. ولكن هل سيرحّب بي الدمشقي البسيط كما فعل رجال مقاهي المرجة سنة 2006، بعدما انتشر القتلة التونسيون في بلادهم وعاثوا فيها فسادا وتدميرا؟؟