mercredi 13 juin 2018

بيت الحكمة

أتقدّم حافيا فوق الأرضية الرخامية اللمّاعة الباردة فأحسّ بانتعاشة تسري في جسدي صاعدة من أخمص قدمي حتى فروة رأسي... سلسلة لا تنتهي من القاعات الفسيحة، أغادر الواحدة لتستلمني الأخرى... الجدران جميعها مغلّفة بمرايا جدارية عملاقة... في كلّ قاعة أكثر من باب واحد جميعها مشرعة... وعلى الشبابيك المفتوحة تنسدل ستائر شفافة تلامس الأرضية وتتمايل مع النسمات الرقيقة فتبدو كأنّها ترقص على صوت فيولنسال قادم من إحدى القاعات... تكشف الستائر في حركتها عن شرفات رحبة تطلّ على شاطئ قريب تتكسّر عنده أمواج خفيفة، تلعق رمله الذهبي بألسنتها قبل أن تلفظ أنفاسها مخلّفة رغوة لا تلبث أن تنطفئ...
أمشي في القاعات الفسيحة النظيفة، العالية الأسقف والفارغة من الأثاث إلاّ من بيانو أسود لمّاع كبير يجثم في إحدى زواياها، فأرى نفسي جمهورا بفعل التعدّد في المرايا المتقابلة... هنا أتقدّم، وهناك ألتفت شمالا، وفي المرآة المقابلة ألتفت يمينا... في واحدة أخرى أرى وجهي، وفي غيرها يتراءى لي ظهري... أغمض عينيّ هربا من هذا الفخ... وأواصل التقدّم نحو صوت الفيولنسال الحزين... أحيانا أتخيّل العازف فتاة عارية بالكامل، لا يغطيها سوى شعرها المتطاير، جسدها يشبه الآلة التي تعزف عليها، تقف في شرفة قبالة البحر وتجرّ القوس على الأوتار فتئنّ الآلة كجريح وتتحدّث إلى البحر... وأحيانا أخرى يصوّر لي خيالي أنّ العازف عجوز أعمى يرتدي بدلة أنيقة ويضع نظارتين سوداوين ويجلس على كرسي من الخيزران في القاعة الأخيرة وهو يعزف بانتظاري ويرسم على فمه ابتسامة العميان... ينتابني الإحساس أنّ هناك شخصا آخر في هذا القصر المهجور يراقبني ويبتسم... شخص لا يريد بي شرّا، ولكنّ مجرّد أنّني لا أراه يجعلني أحسّ بالخوف منه... نغمات الفيولنسال تنساب كدموع ساخنة ومدرارة على خدّي فتاة صمّاء... حزينة نعم، ولكنّها عذبة ورقيقة...
يرهقني اللهث وراء سراب الفيولنسال...لا يبدو لهذا القصر نهاية... إنّها متاهة المرايا والأبواب المتعدّدة.
هذا القصر اسمه بيت الحكمة...