jeudi 6 mai 2010

مفارقة التعمير والتقفير: الطرق الحزاميّة حول تجمّع "دقاش الوديان" نموذجا


جلال الرّويسي
أستاذ بالمعهد العالي للتّوثيق
منّوبة- ماي 2010
.

في تصنيف الطّرق
لا يختلف اثنان في كون التهيئة العمرانية علما ينهض على تقاطع عديد الاختصاصات والمعارف كالاقتصاد والهندسة والجغرافيا وعلم الاجتماع والتخطيط الخ. حيث يستند كلّ مشروع تعميري على دراسة جدوى تتناول مبرّراته وكلفته وانعكاساته والنتائج المرجوّة منه والأطراف المعنيّة به والمتدخّلة في إنجازه، الخ. ولا تشذّ مشاريع الطّرق بجميع أصنافها عن هذا المنهج مع مراعاة ما تتطلّبه طبيعة كل مشروع من تمش مخصوص (طريق سيّارة، سريعة، وطنية، جهويّة، طريق حزاميّة،الخ).
فللطرق الوطنية في بلادنا تاريخ يعود أحيانا إلى العهد الرّوماني حيث ظهرت لتربط ما بين النقاط التجارية والتجمّعات الحضرية العريقة كالموانئ والمراكز السياسية والعلمية والعسكرية. وقد شكّلت الطّرق الوطنية الكبرى محاور فاعلة إلى حدّ بعيد في تشكيل الخارطة العمرانية للبلاد التونسية كما هي عليه اليوم. وهذا يعني أنّ الطّرق تشق لتربط بين نقطتين متباعدتين ولكن ما إن تفتح للجولان حتّى تتكوّن حولها ديناميكيّة اقتصادية واجتماعية (استراحات، مقاهي، مطاعم، محطّات بنزين، محلاّت خدمات أخرى ) وسرعان ما ينزع المشتغلون في هذه المحلاّت إلى الاستقرار قريبا منها فتظهر الحاجة إلى بعث المرافق الإدارية والاجتماعية والصحّية وينتهي الأمر إلى تكوّن قرية على جنبات الطريق ما تنفك تنمو وتكبر. وهذا ما يفسّر الشّكل المستطيل للقرى التي يكون لها شكل أشبه بالثعبان (طول بلا عرض). فهل يعقل بعد ذلك أن نحوّل الطريق عن مسارها ونعزل أولئك الذين ترتهن بها حياتهم؟
أمّا الطّرق السيّارة فهي ظاهرة عصرية أملاها التطوّر الاقتصادي ويسّرها التطوّر التكنولوجي. ولكن رغم إيجابياتها في الحدّ من الحوادث وربح الوقت وتيسير المبادلات التجارية ونقل البضائع إلاّ أنّ إحداثها كثيرا ما يثير غضب الأهالي واحتجاجات الجمعيات البيئية في البلدان الدّيمقراطيّة لكونها تقطّع أوصال التجمّعات القرويّة وتمزّق الأراضي الفلاحية وتخلّ بالتوازن البيئي وتبيد بعض الحيوانات.
وبالنّسبة للطّرق الحزاميّة فتنجز لتخفيف الضغط على حركة المرور داخل المدن الكبرى ممّا يسمح بربح الوقت والاقتصاد في الطّاقة والحدّ من الحوادث والتلوّث والضجيج داخل مناطق العمران وكذلك الحدّ من التوتّر النّفسي النّاتج عن تعطّل حركة المرور.
الطّرق الحزاميّة حول تجمّع "دقاش-الوديان"
يعيش في تجمّع "دقاش الوديان" ما يربو عن ال10 ألاف ساكنا موزّعين على أربع قرى هي المحاسن (كريز) وبوهلال (سدادة) وأولاد ماجد ودقاش. وتصل هذا التجمّع ببقيّة مناطق البلاد وجهاتها الطريق الرّابطة بين المتلوّي وتوزر من جهة الشمال والطّريق الرّابطة بين قبلّي وتوزر من جهة الجنوب. حيث تلعب هاتين الطريقين دورا حيويا في تنشيط الحياة الاقتصادية لهذه التجمّعات خصوصا في ظلّ تراجع مردودية الواحات نتيجة أزمة المياه وبقاء هذا التجمّع على هامش الاستثمارات السياحية بالجريد.
ولكن أهالي تجمّع "الوديان دقاش" ما كادوا يبتلعون غصّة العزل الشمالي التي لازمتهم لأكثر من عشرين سنة، ويلتفتون نحو المحور الجنوبي الشرقي حتّى فوجؤا بإقامة حزاميّة ثانية جنّبت المرور بالتجمّعات الأربعة وربطت توزر مباشرة بسوق الأحد ومن ثمّة قبلّّي.
(انظر الرّسم البياني)

في فنّ العزل وقطع الأرزاق
المعروف عن سكّان الجريد مهارتهم في الحجاج والاستدلال ومسالمتهم التي تصل في بعض الأحوال إلى حدّ الحماقة. لذلك رافق هذه المشاريع جدل مكرور مداره التساؤل عن المبرّرات الاقتصاديّة والاجتماعيّة و البيئيّة لإقامة هاتين الطريقين؟ فهل اشتكى النّاس من كثافة حركة المرور؟ وهل وصل عدد الحوادث مستوى مفزعا إلى الحد الذي يبرّر شقّ مثل هذه الطّريق؟ وفي كلّ الأحوال، هل وقعت دراسة جدوى على أساس الموازنة بين ما سيكلّفنا هذا الإنجاز وما سنجنيه منه، ممّا قد يبرّر القبول ببعض التّضحيات مقابل الفوز بمكاسب أهمّ؟
إنّ نسبة هامّة من سكّان هذه القرى تعيش من مهن الطّريق. وقد أدّى إنجاز الطريقين الحزاميّتين إلى الإضرار المباشر بمصادر رزقهم وصاروا مهدّدين بالإفلاس: ثلاث محطّات بنزين إحداها قد أغلقت بعد، مطاعم صغرى، شركة عربات سياحية مجرورة، دكاكين بيع الدقلة، مقاهي، منتزهان أحدهما أغلق بعد، حرفيون وتجّار صناعات تقليدية، مضيف شباب، تجّار صغار تشكّل كلّ قارورة ماء أو سيجارة تفصيل يبيعونها إضافة ثمينة لهم، الخ. هذا فضلا عن كلفة إنجاز الطريقين الحزاميتين التي تقدّر بعشرات مئات آلاف الدنانير.
أبهذه المشاريع نجسّد مفهوم التّنمية الشّاملة والمستدامة؟ أما كان من الأجدى التفكير في مصير كلّ هذه المهن الصغيرة التي تقتات من وراءها مئات الأفواه؟ أما كان من الأجدى استثمار ميزانية هذه الأحزمة العازلة في إقامة محطّات استشفائيّة بالمياه الجوفية الحارّة بكل من المحاسن وبوهلال أو في بعث قرية حرفية لمنتوجات النّخلة وخشبها بدقاش أو الوديان؟ أو في إنجاز مشاريع للسياحة الثقافية الصحراوية الواحية وما أكثرها ؟ أو في بعث مشاريع لتربية الإبل؟ وستبقى هذه التساؤلات تتردّد في ظلمة الحوانيت التي لا تبيع شيئا والمأهولة بلاعبي الورق وفي دكّات المساجد وفي حلقات اللاّقمي واستراحات المرمّاجية وسقايف الأحواش الظليلة، طالما لم يفسّر لنا صنّاع القرار والمؤتمنون على التّنمية بهذه الرّبوع الفلسفة من مشاريع الطرّق الحزامية المنجزة حتّى نتخلّص من إحساسنا بكوننا مستهدفين في قوت صغارنا وعائلاتنا. فهلاّ أطلعتمونا يا صنّاع القرار على أمثلة التهيئة ودراسات الجدوى التي استندتم عليها
.