vendredi 12 novembre 2010

سوسيولوجيا السيارة في تونس

هناك من التونسيين من يحرص على اقتناء سيارة رغم كلفتها الباهظة، حتى أن بعضهم يعطيها الأولوية على المنزل. ورغم اتساع رقعة مالكي السيارات بعد اعتماد صيغة السيارة الشعبية (وتلك حكاية أخرى تخفي مصالح أخرى)، إلا أن هناك من لا يزال يعتبرها أداة فرز طبقي وشرطا للانتماء إلى "الناس المحترمين". بل هناك من تجار الممنوعات والسيارات المهربة من يتحول في لمح البصر إلى صف الأعيان بمجرد امتلاكه "هامر" أو "إكس فايف" رغم كل علامات الانحراف والإجرام التي يظهرها اعتقادا منه أنها تزيد من وجاهته.
وهناك رهط من التونسيين يستنكفون من امتلاك سيارة شعبية لأن ذلك يحط من شأنهم ويلحقهم بالعامة، حتى أن البعض منهم يكبّد نفسه تكاليف إضافية حتى يقتني سيارة تفوق قوّتها الأربعة خيول حتّى لا تصنّف سيارة شعبية. وقد كنت شاهد عيان في قاعة الأساتذة بالجامعة على مشاحنة بين زميل كان يباهي بأنّ سيارته، التي كان يدير مفتاحها حول إصبعه في حماقة سافرة، ليست شعبية ويفتي في صلف بأنّ هناك شيئان لا يقبل إعارتهما وهما الزوجة والسيارة فردّ عليه زميل نقابي ساخرا : "الأمر واضح بالنسبة لسيارتك ما دامت لوحتها تحمل ملاحظة ن ت RS[1] ولكن لعله من المفيد أن تحمل زوجتك إسورة عليها نفس الملاحظة، رغم أنك لم تأت بها من الخليج كسيارتك بعد خمس سنوات من التعاون الفني"
وكنا نعرف أنّه ممّا يغيض زميلنا "الخليجي" كون سيارة زميلنا النقابي تحظى بشعبية واسعة جدا لدى جميع من في الجامعة رغم بساطتها بينما لا أحد يعير اهتماما لسيارته رباعية الدفع والتي يصمّ منبّهها ضد السرقة الآذان كلّما مرّ حذوها طالب. أماّ شعبية سيارة زميلنا النقابي فتعود إلى كونها سيارة الجميع. لا مفاتيح لها، بها ثقب في أرضيتها بين الكراسي الأمامية والخلفية يستعمله الراكبون منفذا للتخلص من الفضلات. عبره يمكن التبول والتقيؤ على شاكلة مرحاض القطار. كما تأوي هذه السيارة المشرّدين ليلا حيث ينامون ويحتمون من البرد وهم بذلك يحرسونها في نفس الوقت. وداخلها يتفيأّ العشاّق من الطلبة هربا من وطأة الشمس الحارقة أيام الامتحانات ويتركون لصاحبها كلمات شكر لطيفة. ولكن ما لا يعلمه الجميع هو أنّ سيارة زميلنا النقابي من أأمن السيارات ومن أكثرها قدرة على طيّ المسافات الطويلة لأن صاحبها يولي عناية خفية لمحرّكها ولإطاراتها المطاطية بعيدا عن المظاهر البراقة الجارحة والتبجّح الجالب للغيرة. سيّارة زميلنا النقابي هي طبعا استثناء، لأنّ السيارة تبقى مثارا للغيرة والحقد الطبقيين حتى أنّ من أوّل علامات الثروة التي تتعرّض للاعتداء عند المظاهرات ومصادمات الشوارع هي السيارات قبل واجهات المغازات. بل إن الطلاب أنفسهم كلما تصادموا مع البوليس في الجامعات اعتدوا آليا على سيارات أساتذتهم (وفي مقدمتها بالطبع سيارة زميلنا "الخليجي" التي لا يفيدها نعيق منبّهها) رغم علمهم أنها على ملك أساتذة لن يترددوا في تهريبهم على متنها إذا ما داهمهم البوليس. ولا تسلم من اعتداءاتهم إلا سيارة زميلنا النقابي.
إن قيمة السيارة باعتبارها تأشيرة الانتماء إلى الناس "المحترمين" تفسّر حرص أغلب الطلبة التونسيين في أوروبا على العودة إلى تونس بالشهادة مصحوبة بالسيارة الفخمة كلّفهم ذلك ما كلّفهم. وهكذا صارت السيارة مكمّلا أساسيا للشهادة. لذلك ترى هؤلاء الطلبة البائسين يجوعون ويشتغلون منظفي قطارات ونوادل بالمقاهي وغاسلي صحون بالمطاعم ومنظفات في البيوت. لا يشاركون في الرحلات الاستكشافية رغم معلومها الرمزي ولا يذهبون إلى دور السينما ولا يشترون الكتب ولا اسطوانات الموسيقى ولا يسعون لاكتشاف أكلات الشعوب وعاداتها الغذائية بالتردّد على المطاعم ولا يتبادلون الزيارات والاستضافات مع زملائهم من طلبة العالم أجمع، وفي شهر رمضان يتناولون طعامهم بالمساجد من هبات المحسنين. كلّ ذلك من أجل ادّخار ثمن السيارة الفاخرة جدا والعودة إلى تونس الخضراء مظفّرين فتفخر بهم عائلاتهم.
أما بالنسبة إلى الموظف الكحيان الغلبان الذي لم يسعفه الحظ ليسافر إلى الخليج أو يدرس في أوروبا، فيكلّفه امتلاك السيارة جلد مؤخرته. ويكفي تأمل الكشف التالي كي نقف على حجم التضحيات التي يبذلها المسكين في سبيل السعادة السيارية :
1. ثمن السيارة الذي هو في الغالب قرض طويل الأمد يجعل الرّاتب يتقلص إلى النصف لمدة تتراوح بين الخمسة والسبعة أعوام (معدل 300 دينارا شهريا)
2. معلوم الجولان (60 دينارا كل سنة على أقل تقدير أي 05 دنانير شهريا)
3. التأمين (500 دينارا سنويا أي 40 دينار شهريا)
4. الغسيل (05 دنانير أسبوعيا أي 20 دينار شهريا)
5. تغيير زيت المحرك والمصافي (60 دينارا مرتين في السنة أي 10 دنانير شهريا)
6. الوقود (30 دينارا أسبوعيا أي 120 دينار شهريا)
7. معلوم المرابض البلدية (من دينار إلى دينارين في اليوم أي 45 دينار شهريا كمعدل)
8. معلوم حراس المرابض العشوائية (أصحاب الصفارات والعصي الغليظة والبادجوات) أمام الإدارات العمومية والمستشفيات والأسواق المركزية والشواطئ (مبلغ جزافي قدره دينار يوميا أي 30 دينارا شهريا)
9. معلوم حراسة السيارة ليلا في محطة توزيغ البنزين (25 دينارا شهريا)
10. ماسحو البلور الإجباريون عند الوقوف في تقاطعات الأضواء (مبلغ جزافي قدره دينار كل الأسبوع أي 4 دنانير شهريا)
11. الشانقال (مرتان في السنة بما يعني 60 دينارا سنويا أي 5 دنانير -شهريا)
12. خطايا شرطة المرور والاقتناء الإلزامي ليوميات وتذاكر يانصيب تعاونية الأمن (مبلغ جزافي قدره 60 دينارا كل سنة أي 5 دنانير شهريا)
13. إصلاح الأعطاب وسرقات الميكانيكيين (مبلغ جزافي قدره 250 دينارا سنويا أي 20 دينارا شهريا)
14. الصيانة والتعهد كتغيير العجلات والمكابح والزيوت والبطارية وغيرها (مبلغ جزافي قدره 30 دينارا شهريا)
15. إعارة السيارة للأقارب والأصحاب (مبلغ جزافي قدره 10 دنانير شهريا كمعدل)
16. الفحص الفني (20 دينارا سنويا أي دينار ونصف شهريا)
17. معلوم الجولان على الطرق السيارة (مبلغ جزافي قدره 05 دنانير شهريا)
18. التخريب واعتداءات الحساد (مبلغ جزافي قدره 10 دنانير شهريا)
19. الحوادث (مبلغ جزافي قدره 120 دينارا سنويا أي 10 دنانير شهريا)
20. الرشاوي للتخفيف من أعباء الخطايا المستحقة وغير المستحقة تيسيرا لشؤون السيارة (5 دنانير شهريا)
21. تكاليف الحصول على رخصة السياقة (600 دينارا مرة واحدة أي 30 دينارا سنويا لمدة 20 سنة مما يعطي دينار ونصف شهريا)
22. تسوية وثائق السيارة عند اقتناءها كاستخراج البطاقة الرمادية مثلا (120 دينارا مرة واحدة أي 12 دينارا في السنة لمدة عشر سنوات مما يعطي دينارا كل شهر)
خلاصة هذا الجرد أن الكلفة الشهرية الصافية للسيارة قدرها 642.500 دينارا أثناء السنوات السبع الأولى مع عدم احتساب نفقات الأعطاب وتغيير القطع في السنوات السبع الأولى (أي 61.500 دينارا) لأنّ السيارة تكون في تلك الفترة جديدة وفي حالة جيدة، على أن ندمج هذه التكاليف بعد انقضاء فترة سداد القرض البنكي باعتبار تقادم السيارة. وهذا يعطي الكلفة الشهرية التالية 642.500 – 300 + 61.500 = 404 دينارا.
هذه إذن كلفة السيارة على التونسي الحر الأصيل الشامخ على كل القمم. لذلك صحّ القول بأنّ امتلاك سيارة هو بمثابة الزواج بثانية وتأسيس أسرة موازية. حيث أن كلفتها لوحدها تعادل تكاليف السكن والكهرباء والماء والأكل والملبس والنظافة والصحة والأثاث وتربية الأولاد وتعليمهم.
ويبقى السؤال مطروحا حول مصادر الصّرف لدى الموظف الذي لا يتعدّى معدّل راتبه الشهري 500 دينارا. فلا الزواج من موظفة ولا الاقتراض البنكي يكفيان لحلّ اللغز. وهذا ما يجعلني أنظر بعين الريبة والسخرية لعبدة السيارات.
ولكنني كدت أعدّل من موقفي الساخر من اللاهثين وراء السيارة وسحرها بعد أن صادفت صديقة قديمة كم تقرّبت منها أيام الجامعة لكنها أعرضت عني وعن سواي حتى أصابتها العنوسة (اللهم لا شماتة). حدثتني هذه الصديقة في حماس ظاهر بعد أن دعتني إلى جولة على متن سيارتها بأنها تعتبر سيارتها أثمن شيء في حياتها. فالسيارة، بالنسبة إلى المرأة في هذا المجتمع الذكوري أكثر مما يروّج، أهمّ من المنزل والزوج والأسرة ومن أي شيء آخر. لأنه إذا كان الوقوف على الرصيف بانتظار تاكسي أمرا عاديا عند الرجل فهو تهمة بالمراودة عندما تفعله المرأة وقد تنجر عنه عواقب وخيمة تنقلب فيها الأدوار ويتحول المراودون من أصحاب السيارات إلى ضحايا لمن تقف في انتظار تاكسي. وبعد أن تنتهي معاناتها مع نظرات العابرين ومشاكسات أصحاب السيارات الفجة وتفوز بالتاكسي، تبدأ معاناتها مع سائق التاكسي الذي يحاصرها بالأسئلة والنظرات. واختصرت كلامها بالتأكيد على أن فضائل السيارة في مجال تحرير المرأة هي أكثر من فضائل مجلة الأحوال الشخصية. فالسيارة يمكن استعمالها كبيت متنقل نبتعد به عن عيون الفضوليين ممن يتلصصون على حياة الناس ويراقبون حركاتهم وسكناتهم في فضاءاتهم الخاصة متأهبين لطلب الشرطة عند أقل استرابة في سلوك الجار المحاصر. وتبقى السيارة في المقام الأول وسيلة نقل تسمح بتجنب وسائل النقل الجماعية وما فيها من ويلات كالاكتظاظ والسرقة والروائح الكريهة والاعتداءات اللفظية والجسدية والتأخيرات المتكررة دون أن نفقد حقنا في التعلل بالأعطاب والازدحام كلما صادف أن نتأخر دون إذن من العائلة.
لم أنفّذ نيّتي تعديل موقفي من السيارة ومن اللاّهثين وراءها لأنّني اكتشفت أنّ ما نقدم عليه من تضحيات جسام للفوز بالسيارة، معتقدين أننا بذلك نفوز بفضاء خاص ينأى بنا عن الإزعاج، يذهب سدى. إذ نتبيّن أنّها فضاء مستباح من الأصدقاء والأقارب والشرطة وتلاميذ المدارس والطلبة والمتظاهرين وجمهور الملاعب وحراس المرابض العشوائية واللصوص وسائقي السيارات الأخرى والدراجين والمترجلين والفضوليين، الخ. ونكتشف من وراء ذلك أن السيارة ليست عصا سحرية نحل بها مشاكل النقل الجماعي لأن المشكل الأصلي إنما يكمن في مستوى التحضر. إذ لا إمكانية للتعايش مع من يقود السيارة بعقلية الفارس أو راكب الجمل أو الحمال على كريطة، لأنه لا يحفل بقواعد المرور من أضواء وإشارات واحترام للأولوية ويطلق العنان للمنبه داخل مواطن العمران ويركن سيارته فوق الرصيف ويسد بها الأنهج ليشل حركة المرور ويجهر بأضوائها من يعترض طريقه ليلا. وإذا كنت امرأة تجرأت على مجاوزة ذلك الفارس المغوار فأنت عاهرة وبهيمة.
ولن أتحدث عما تخلفه حوادث السيارة من سقوط بدني وعن مشاكلها الصحية والنفسية كالسمنة وآلام العمود الفقري والرقبة والسكري وضغط الدم والشد العصبي. وهي أمراض مزمنة على غاية من الخطورة إضافة إلى كلفتها المادية الباهظة. هذا فضلا عن المشاكل الوطنية التي تسببها السيارة للمجتمع والدولة. فنحن بلد لا يصنع سياراته ولا قطع غيارها بل يستوردها بالعملة الصعبة التي تستنزف الاقتصاد الوطني. ولا ننسى أيضا ما تستهلكه السيّارات من طاقة ودورها في تلويث الهواء والضجيج، وكذلك ما تتسبّب فيه من حوادث تحصد آلاف الأرواح ...
الحاصيلو، ينعل بو الكراهب منين هبت ودبت.
جلال الرويسي توزر في 11 نوفمبر 2010


[1] ن.ت. اختصار لتعبير "نظام توقيفي" الذي يقابله بالفرنسية RS (Régime suspensif) وهو نظام يطبق في حالات معينة على السيارات التي يجلبها المقيمون بالخارج والذي يوقف استعمالها على مالكها وزوجته دون سواهما.