vendredi 11 mars 2011

رقمنة الرّصيد الوثائقي الوطني: سوق تشغيل كبرى، المكان فيها للأجدر والأكفأ

قد يبدو من المفارقات القول بأنّ أعداء ثورة 14 جانفي المجيدة خدموا قطاع التوثيق والأرشيف والمعلومات كما لم يخدموه طيلة ثلاثة وعشرين سنة بل كما لم يخدمه أبناؤه أنفسهم. فالكلّ يعلم ما تعرّضت له الأرشيفات الرّسميّة من حرق وإتلاف منظّم أقدم عليه أعداء الثورة في محاولات يائسة لطمس الأدلّة على تجاوزاتهم وفسادهم. ولا يزال التونسيون تحت صدمة اكتشاف سرقة صفحات من مخطوط القرآن الأزرق برقادة وبيعها بمئات آلاف الدولارات في الخارج. ولكن في المقابل هل بقي بعد هذه الوقائع من يجهل أو ينكر قيمة الأرشيف في تحديد المسؤوليات وإثبات الحقوق ودور الوثائق في صيانة الذاكرة ونحت الهوية؟ كان ثمن الاعتراف بقطاعنا باهضا، ووصل إلى حدّ ضريبة الدم حيث ذهبت زميلتنا خولة الوحيشي ضحية لهذه الأحداث في ظروف أقلّ ما يمكن أن يقال عنها أنّها مريبة.

في هذه الظرفية أطلّ علينا مشروع "الرّائد"، وهو برنامج وطني لرقمنة خمسين مليون صفحة في السّنوات الثلاث القادمة، مثيرا ردود فعل لدى خرّيجي المعهد العالي للتوثيق من العاملين والعاطلين ولدى أسرة المعهد من مدرّسين وطلبة. ذلك أنّ هذا المشروع ينسجم مع ما لم تفتأ أسرة المعهد العالي للتوثيق تطالب به من ضرورة رقمنة الرّصيد الوثائقي الوطني ذي القيمة التراثية والعلمية حفظا له من التلف وتعريفا به وتثمينا لما يتضمّنه من كنوز، وكذلك فتحا لآفاق التشغيل أمام أبناء المؤسّسة واعترافا بهذا الاختصاص الذي ظلّ يعاني من التهميش إمّا جهلا بدوره في مجتمع المعرفة والمعلومات أو معاداة لأبناء المعهد من بعض المتمعّشين والجاثمين على مراكز القرار في القطاع. ومساهمة منّا في الدّفاع عن المشروع أوّلا، وانتصارا لأصحاب الحق الشرعي والعلمي في الاستفادة منه، نقدّم هذه الورقة حول ما يمكن أن يقدّمه أبناء المعهد العالي للتوثيق للمشروع ولمجال رقمنة الوثائق عموما وما ينتظرونه في المقابل من هذا المشروع وأمثاله.

1. الرّصيد الوطني المرشّح للرّقمنة

يتكوّن هذا الرّصيد الوثائقي الوطني من مخزون ضخم ومتنوّع جدّا يهمّ وزارات عدّة، حيث نجد فيه:

1. المخطوطات ويحتوي رصيد المخطوطات على حوالي أربعين ألف عنوان مضمّنة في أربعة وعشرين ألف مجلدا. وقد شرعت المكتبة الوطنية بعد هذه العملية وأنجزت جزء بسيطا منها.

2. الكتب المطبوعة القديمة والنادرة والثمينة (كتب يتجاوز عمرها الثلاثة قرون)

3. الدّوريات. وقد أنجز مركز التوثيق الوطني والمكتبة الوطنية كل على حدة (دون تنسيق) جزء من هذه العملية

4. أطروحات الدّكتوراه والبحوث العلمية والمحاضرات المرقونة وأعمال الندوات. وقد أنجزت بعض مؤسّسات التعليم العالي جزء من هذا العمل دون تنسيق مع المركز الوطني الجامعي للتوثيق العلمي والتقني.

5. الأرشيف الإداري. وقد انطلقت مؤسّسة الأرشيف الوطني في رقمنة العديد من الملفّات التي بحوزتها

6. الأرشيف الطبي (الملفّات الطبية). وهناك مبادرات بحثية يقوم بها الأستاذ علي حرمل رئيس الجمعية التونسية للإعلامية الطبية

7. الأرشيف السّمعي البصري : الرّصيد التناظري للإذاعة والتلفزة والرّصيد السينمائي التخييلي والوثائقي محترفا وهاويا

8. الصور : مخزون دور النّشر والصحف وشركات والإشهار

9. الخرائط الجغرافية والجيولوجية والتصاميم الهندسية والفنّية والصّور الملتقطة من الجوّ.

10. الأٍرشيف التربوي والبيداغوجي (دروس، كتب مدرسية، مواضيع امتحانات باكالوريا مثلا مع إصلاحها) وقد قام المركز الوطني للمكتبية والميكرو-الإعلامية بخطوات كبيرة في إطار المكتبة الافتراضية المدرسية.

2. ضرورة وضع خطّة وطنية لرقمنة الرّصيد الوثائقي الوطني

لئن كانت وزارة الثقافة من أوّل المعنيين بضرورة المحافظة على التراث الفكري والوثائقي للشعب التونسي، إلاّ أنّ تنوّع هذا الرصيد الوطني وضخامة حجمه يتجاوزان مجال تدخّل وزارة الثقافة لوحدها ليشملا أغلب الوزارات والمؤسّسات الوطنية. وهذا يحتّم تنسيق الجهود لوضع خطة وطنية شاملة ومتكاملة لرقمنة الرصيد الوثائقي الوطني. ويكون من أهداف هذه الخطة :

1. تسريع نسق الانتقال إلى العصر الرّقمي في مجالات الإدارة والثقافة والبحث العلمي والاقتصاد، الخ.

2. تحديد الأولويات في مجال الرّقمنة : بماذا نبدأ؟

3. ترشيد إنفاق المال العام من خلال التوظيف الأنجع للتجهيزات وبتجنّب تكرار نفس العمليات في عدّة مؤسّسات (كما حصل في حالة الرّائد الرسمي بين المطبعة الرّسمية والمركز الوطني الجامعي للتوثيق العلمي والتقني وفي حالة بعض الدوريات القديمة بين مركز التوثيق الوطني والمكتبة الوطنية)

4. ضمان تناغم واندماج الأنظمة والحلول التكنولوجية المعتمدة من أجل تسهيل عمليات التبادل والبحث والاطلاع عن بعد وانصهار الأرصدة في خزّان موحّد.

3. ما هي مراحل مشروع الرّقمنة وشروط نجاحه ؟

1. فرز الوثائق واختيار المرشّح منها للرقمنة من خلال الاعتماد على مقاييس مادية (الحالة المادّية للوثيقة) ومعنوية (القيمة المعرفية للوثيقة والتعرّف على محتوياتها كما في حالة المخطوطات مثلا) واقتصادية (القيمة التاريخية والتراثية والفنية للوثيقة خاصّة بالنّسبة للمخطوطات والكتب الثمينة والنادرة)

2. تسوية الجانب القانوني (التفاوض مع أصحاب الحقوق الأدبية والمادية ومراعاة آجال إتاحة الوثائق الأرشيفية للعموم وشروطها)

3. الإعداد المادي للصفحات (تسوية، ترميم، تنظيف، إنتاج نسخ مصوّرة عند الضرورة لاعتمادها في الرقمنة) حتى تكون صالحة للتصوير بالماسح الضوئي

4. اختيار الحلول التقنية التي ستعتمد كطريقة الرقمنة بالنسبة للمطبوعات (بالنصّ أو بالصّورة) وصيغ التخزين (ما يصطلح عليه بالشواكل Formats) PDF, PDF/A, TIFF, JPEG والبرمجيات الخاصّة بهندسة النصوص الفائقة المرشّحة للتداول عبر الواب وهي برمجيات تستعمل لوضع الإشارات التي تسمح بهيكلة الوثيقة وتوزيع محتوياتها على المساحة حسب نوعية المادّة (عناوين، فقرات، رسوم وصور) (Balisage). أمّا بالنّسبة لتسجيلات الصوت والفيديو فنحتاج بطاقة التقاط للصوت أو الصورة التناظرية Carte son ou carte vidéo ومن ثمّة تحويل ما نلتقطه إلى أشكال رقميّة كMPG وWav وAIFF و MP3و Quicktime MOV

5. ضبط الميتاداتا (البيانات حول البيانات) التي سترفق بالوثيقة الرقمية، وهي مرادف بيانات الوصف البيبليوغرافي المعتمدة في فهرسة الوثائق المادّية

6. المسح الضوئي (التصوير الإلكتروني) للوثائق المطبوعة أو التحويل من التناظري إلى الرّقمي بالنّسبة لتسجيلات الصوت والفيديو

7. التعرّف الضوئي على الحروف والعلامات

8. مراجعة الأخطاء وإجراء التعديلات الضرورية على نتيجة المسح الضوئي (كتعديل المقاسات أو تنقية الألوان ...) قبل تثبيت النص في الشوكل format الذي تمّ عليه الاختيار في المرحلة 4

9. إنشاء بنك معلومات تنزّل فيه الوثائق المرقمنة

10. إنشاء محرّك بحث في شكل مكنز آلي يتولّى التكشيف الآلي للنصوص المرقمنة وتنزيل الواصفات في قاعدة بيانات تكون مربوطة ببنك المعطيات المتضمّن للنصوص الكاملة، ممّا يضمن التعرّف على كلّ وثيقة تمّ ترقيمها دون خشية ضياعها في طوفان الوثائق الأخرى.

11. ضغط الوثائق وتخزينها في بنك معلومات Compression et Conservation

12. الإتاحة عبر الشبكات

إنّ الرّقمنة برنامج عمل يتكوّن من سلسلة من العمليات المترابطة والمتكاملة وليست مجرّد عملية تقنية معزولة تتمثل في التصوير الإلكتروني للوثائق. فلا معنى للمسح الضوئي إذا لم يسبقه فرز متأنّ للوثائق وإعداد مادي لها وإذا لم يتلازم مع عمليات الفهرسة والتكشيف التي ستطعّم محرّك بحث يساعد في استرجاع تلك الوثائق والتعرّف عليها داخل محتويات بنوك المعلومات. وللتّدليل على عبثية الاكتفاء بالمسح الضوئي نذكر انعدام الفائدة من الرّائد الرّسمي الذي اكتفت المطبعة الرّسمية بتصويره إلكترونيا دون تكشيف لمحتوياته ولا تركيز لمحرّك بحث يسمح بالوصول إلى النصوص القانونية بالاعتماد على الكلمات المفاتيح بالمواضيع أو بأسماء الوزارات أو بأرقام النصوص القانونية الخ.

5. لماذا ننادي بالأولوية لخرّيجي المعهد العالي للتوثيق؟

ما معنى أن يعتبر وزيرا الثقافة والتشغيل مشروع الرّائد فرصة لتشغيل أصحاب الشهادات الجامعية صعبة الإدماج في سوق الشغل مثل العلوم الإنسانية واللغات والآداب؟ لأنّهما يريان في هذا المشروع مجرّد عملية تقنية بسيطة تتمثّل في تحويل للوعاء من الورق إلى الإلكتروني، بمعنى مجرّد تصوير بالماسح الضوئي. وبالتالي يكفي أن يتلقى هؤلاء المتخرّجون تكوينا سريعا لثلاثة أشهر على استعمال آلة السكانار حتى يصبحوا قادرين على القيام بالرّقمنة.

إنّ وضع خرّيجي المعهد العالي للتوثيق على قدم المساواة مع غيرهم من أصحاب الاختصاصات الأخرى (ولا نستثني من ذلك حتّى المختصّين في الإعلامية) ينطوي على خطأين:

1. أوّلهما التنكّر لاختصاص لا يشكو من التهميش إلاّ في البلدان المتخلّفة ولا أخال مسؤولينا يضعون تونس في خانة هذه البلدان.

2. ثانيهما الخلط بين السياسة بما هي الحكم الرّشيد والسياسة السياسوية بما هي الديماغوجية ومسايرة التيار. فاعتبارات التنمية الجهوية العادلة والحرص على فتح باب الأمل أمام العاطلين من حملة الشهادات العليا والمنحدرين من الجهات الداخلية المهمّشة، يجب ألاّ يتضاربا مع ضرورة الاعتماد على أصحاب التخصّص والكفاءة.

إنّ تنفيذ مشروع "الرّائد" يتطلّب توفّر كفاءات لا تتوفّر مجتمعة إلاّ عند خرّيجي المعهد العالي للتّوثيق. وما الجرد الموالي للمواد المدروسة بمعهدنا إلاّ دليل على التخصّصات الدقيقة التي تمكّنهم من حيازة رؤية شاملة لمسألة الرّقمنة وبالتالي قدرتهم على تقديم قيمة مضافة لا تتسنّى لغيرهم.

· المسح الضوئي scannage

· التعرّف الضوئي على الحروف Optical Caracters Recognition (OCR) والتعرّف الذكي على الرّموز Intelligent Caracters Recognition (ICR)

· قوالب التخزين وشواكله PDF, PDF/A, JPEG, TIFF

· الفهرسة الآلية ومواصفاتها Métadonnées & Formats (Unimarc et autres)

· التكشيف الآلي وأدواته Indexation automatique & Listes d’autorités

· المكتبات الرّقمية Bibliothèques numériques

· نظم التصرّف في قواعد المعلومات الوثائقية Systèmes de Gestion de Bases de Données Documentaires – SGBDD

· الأرشفة الإلكترونية Archivage électronique

· التصرّف في المعلومات والوثائق الإلكترونيةGEstion de l’Information et des Documents Electroniques (GEIDE)

· نظم الهندسة الوثائقية ولغاتها HTML, XML

· المكتبات الافتراضية والشبكات المكتبية والفهارس المشتركة Bibliothèques virtuelles, Réseaux et Catalogues collectifs

· محرّكات البحث ونظم استرجاع المعلومات Moteurs de recherche & information retrieval

· الدّيبلوماتيك وقراءة الخطوط العربية بمختلف أنواعها

وإنّنا إذ نؤكّد على أولوية خرّيجي المعهد العالي للتوثيق، فليس ذلك من باب استنقاص الآخرين ولكن من باب التأكيد على ضرورة احترام التخصّص الذي هو من صميم احترام المعرفة. نقول هذا دون أن نزعم أنّ خرّيجينا خالين من أيّة عيوب، ولكنّنا واثقون من أنّهم في كلّ الأحوال أفضل من غيرهم في هذا المجال. وتبقى أسرة المعهد العالي للتوثيق على ذمّة المشروع وأبنائها لتقديم كلّ ما تستطيعه من خبرات وموارد وعلى وجه التطوّع (دراسات جدوى، رسكلة وتأهيل، استشارات فنّية، إلخ)، وذلك انتصارا من أسرة المعهد لما فتحته ثورة 14 جانفي من آمال وتدعيما لفرص تشغيل خريجي المؤسّسة.

6. سوق شغل كبرى واعدة لخريجي المعهد العالي للتوثيق ولآفاق التكوين به

تكمن أهميّة مشروع "الرّائد" حسب رأينا في كونه سيلفت الانتباه إلى سوق شغل واسعة وحقيقية، بما يعني أنّ موارد الرّزق التي ستفتح لن تكون "خيرية" وذات طابع اجتماعي بقدر ما هي مستجيبة لحاجة فعلية وملحّة تؤمّن نقلة نوعية للاقتصاد والإدارة. وإنّ نجاح هذا المشروع سيفتح حضيرة وطنية عملاقة في القطاعين العام والخاص ستشجّع خرّيجي المعهد العالي للتوثيق على تكوين شركات رقمنة يمكن أن تنفتح على اختصاصات مجاورة كالتاريخ والآداب لتحقيق المخطوطات والإعلامية لهندسة بنوك المعلومات وإدارة الشبكات والملتميديا لصناعة المحتويات الرّقمية واستنساخها.

أمّا عن العدالة في التّنمية الجهوية، فمن حق الدّولة، بل من واجبها، أن تتدخّل لتلعب دورا تعديليا كأن تضع حوافز يتمتّع بها باعثو شركات الرقمنة في المناطق الدّاخلية ذات الأولوية دون سواهم. ولا ضير أن تنتدب شركة الرقمنة بالقصرين أو بسليانة مختصين ولو كانوا من قرطاج أو نابل قبل سواهم من غير المختصين ولو كانوا أصيلي القصرين وسليانة. فالمنطقة ستستفيد في كلّ الأحوال من الديناميكية الاقتصادية المتأتية من وجود الشركة وأعوانها فيها (استهلاك، سكن، خدمات صحية، نقل، الخ). بهذا فقط يمكن التوفيق بين مقتضيات الحوكمة الرّشيدة (la bonne gouvernance) المبنية على احترام الاختصاص والاختيارات السياسية الشعبية المبنية على التنمية الجهوية العادلة.

جلال الرّويسي 11 مارس 2011

أستاذ مساعد بالمعهد العالي للتوثيق