mardi 4 octobre 2011

يبارك في ترابك يا تونس


يتميز مشهد التمثيل المهني لاختصاصي المعلومات اليوم بفسيفسائية لافتة تتنافر مع التصحر والسبات الذين عاشهما منذ أن وجدت هذه المهنة بهذه البلاد... وأستعمل تعبير التمثيل المهني الفضفاض حتى لا أحصر كلامي في التمثيل النقابي من ناحية ولأن الواقع نفسه يتميز بهذا الخلط غير المقبول سواء كان متعمدا من البعض أو ناتجا عن ضعف التجربة لدى البعض الآخر.
وغير خاف أن هذه الفورة التمثيلية هي من إفرازات الثورة التونسية إذ يمكن تشبيهها بالطفح الجلدي على الجسد المأخوذ بالحمى. فجأة صار الجميع مناضلين نقابيين غيورين على المهنة والمهنيين. وإذا كنا نتفهم حماس البعض فإننا لا نقبل انتهازية البعض الآخر، لأن من يعجز عن تسجيل الأهداف قي التوقيت الأصلي لن يفلح في ذلك في الوقت الضائع...
هيا سيدي اه، شد عندك: نقابة أساسية تابعة للاتحاد العام التونسي للشغل في كل ولاية تمثل أعوان المطالعة العمومية، نقابة أساسية تابعة للاتحاد العام التونسي للشغل تمثل أعوان المكتبات الجامعية، نقابة أساسية تابعة للاتحاد العام التونسي للشغل تمثل أعوان المكتبة الوطنية، نقابة تابعة للجامعة العامة التونسية للشغل CGTT للمتصرفين في الوثائق والأرشيف، نقابة أخرى تابعة كيفها للجامعة العامة التونسية للشغل CGTT للمكتبيين والموثقين (اشبيهم خير منا هوما عملوا نقابة وحنا لا ؟ آش بينا؟ آش ناقصنا؟)، (اتحاد عمال تونس مازال ما تلهاش بينا، أما لازم تو سي السحباني بيدو يفكر باش يشتل من عندنا) جمعية مهنية للمتصرفين في الوثائق والأرشيف، جمعية مهنية للمكتبيين والموثقين، جامعة وطنية لجمعيات أحباء المكتبة والكتاب، جمعية لقدماء المعهد العالي للتوثيق، وربما هناك نقابات أخرى بمركز التوثيق الوطني أو غيره...
قد يقول قائل "يبارك في ترابك يا تونس، قداشك جيابة، قداشك ولادة، عين الحسود فيها عود، حوتة وخمسة وقرن غزال". أنا اللي مقلقني في المشهد هو الكثرة وقلة البركة. لنحذر خطب المتحذلقين من مناضلي الوقت الضائع والمتسلقين على عجل، أولئك الذين يكثرون من الحديث عن المصلحة العامة، أولئك الذين يلوكون قوالب جاهزة عن حب الوطن وضرورة التصدي لتهميش المهنة والقطاع ووو. عندهم كلام كيف الظلام... إنهم لا يقيمون فرقا بين الجمعية المهنية والنقابة والودادية؟
أتساءل من يا ترى يكون المستفيد من هذه التعددية ومن هذا التداخل والضبابية في المهام والمشمولات؟ هل هم المهنيون؟ هل هي المهنة؟ أم هل هي المنظمات الأم الراعية لهذه الهياكل التمثيلية ومن يجثم على عروشها؟ أم أنهم القائمون على هذه الهياكل القاعدية ؟ ولن يكفي لإسقاط الشبهة الرد بأن العمل في هذه الهياكل تطوعي صرف ويشكل عبئا على المتحملين للمسؤولية صلب هذه الهياكل التمثيلية... ودون مزايدة على أحد، نقول لقد مررنا من هناك وخبرنا الخفايا... خبرنا كيف أن شبكة من العلاقات تفتح في وجه من يوجد صلب هذه الهياكل حيث تغري الانتهازيين منهم بالانتفاع بمصالح ومعاملات يجنون من ورائها منافع شخصية فيتورطون في تعهدات... وغالبا ما تشجع السلطة والمسؤولون الكبار على المنظمات الأم هذه الممارسات بحثا عن توريط من يؤتونها في مطبات تكون مدخلا لابتزازهم والضغط عليهم حتى يباركوا توجهاتهم ولا يتصدوا لمخططاتهم التآمرية ويسكتوا عن الفساد.
لذلك ناضل نقابيو الاتحاد العام التونسي للشغل لفرض الفصل العاشر في نظامه الداخلي حيث أقر في مؤتمر جربة 2002. ويمنع هذا الفصل عضوية المكتب التنفيذي الوطني لأكثر من دورتين مما يحد من البيروقراطية ومن إمكانية تأبيد المسؤولية وتكديس المنافع الشخصية من ورائها. ومعركة الفصل العاشر في تقديري من أهم المكاسب التي حققها الشغالون التونسيون في إطار منظمتهم العتيدة الاتحاد العام التونسي للشغل. فبعد أن ربحوا معركة الاستقلالية النقابية عن النظام وحزب الدستور في 26 جانفي 1978، وبعدما وضعوا حجر الأساس لربح معركة الكرامة في 3 جانفي 1984، أسسوا للديمقراطية داخل الاتحاد من خلال الفصل العاشر والذي كان مهددا بالفسخ والانقلاب عليه قبل ثورة 14 جانفي. واليوم، على الشغالين والنقابيين توسيع تطبيق الفصل العاشر ليشمل كافة هياكل الاتحاد. ولم لا تقتدي الجمعيات والمنظمات الأخرى بالاتحاد وتدرج فصلا مماثلا في أنظمتها الداخلية؟
أتساءل دائما، كيف يعقل أن يشرف على الجمعية المهنية نفس الأشخاص منذ عشرات السنين؟ وفي مقابل ذلك، كيف يعقل أن يكون الرد على ذلك بتكوين جمعيات أو نقابات جميع من فيها لا خبرة ولا تجربة لهم؟ أليس هناك طريق ثالثة ممكنة؟
ألا تجدون معي غريبا ومحبطا أن يقع قطاع مهن المعلومات في تونس الذي يبلغ بالكاد 3000 عضوا في أفضل السيناريوهات في تجاذبات بين أطراف تحركها مصالح ضيقة؟ ولينا كيف العرابنية متاع الموسيقى، اللي يطيح في انتخابات النقابة هذي، واللي مزروب على المسؤولية، إلخ. يؤسس نقابة من الصفر ولا يعمل جمعية من غادي ويدور بيه جماعتو (حارتين بالطبع)؟
ما يشهده قطاعنا على مستوى التمثيل النقابي لا يشذ عما تشهده عدة قطاعات أخرى... حيث تتدخل عدة عوامل في تفتيت التمثيل النقابي من ضمنها التعلل بكون التعددية رحمة وتكريس للديمقراطية... لكن هذا الكلام سرعان ما يكشف زيفه أمام التحليل الهادئ. فلنتأمل أهم هذه العوامل:
1. "التعددية رحمة" كلمة حق يراد بها باطل... لأن العمل النقابي يتأسس على مبدأ "في الاتحاد قوة" (نتجمع من أجل أن ندافع عن مصالحنا كتلة واحدة... هذا هو المبدأ).. فكيف والحالة تلك يمكن أن نستفيد من تعدد التمثيل النقابي؟؟ أما عن الاختلاف وحرية الرأي والديمقراطية فيجب الدفاع عنه تحت سقف المنظمة المتحدة وليس خارجها... باختصار عاش الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة الشغيلة صاحبة الشرعية التاريخية والنضالية... أما عن مظاهر البيروقراطية فيه فلابد من مقاومتها تحت سقفه وهي واجهة من واجهات نضال الشغيلة في تونس.
2. الواقع المهني والمؤسساتي يختلف من مكان إلى آخر وهذا يبرر تعدد النقابات... إي نعم موافق على طول، لكن بشرط... وهو أنه بقدر ما نعدد التمثيل النقابي القاعدي على مستوى المؤسسات بقدر ما يجب أن نحرص أن يكون ذلك في إطار منظمة واحدة وموحدة... فنسعى إلى توليف النقابات الأساسية في هياكل قطاعية وطنية تجمعها منظمة موحدة تصب فيها مختلف الجهود لتلتقي وتخلق قوة...
3. صحيح أنه من غير الممكن في معظم الأحوال بعث نقابات أساسية في مكتبة جامعية أو عمومية نظرا لضعف عدد المهنيين في كل مؤسسة على حدة... لكن هذا لم يمنع زملائنا في المطالعة العمومية أن يبعثوا نقابة أساسية في مستوى كل جهة تجمع مهنيي المكتبات العمومية بالجهة المعنية
4. صحيح أن هناك تضاربا بين تأسيس نقابة على أساس التخصص وتأسيس نقابة على أساس الانتماء للمؤسسة (نقابة أعوان المكتبة الوطنية مثلا تجمع المكتبيين بمختلف رتبهم والموظفين الإداريين والعملة وتقنيي الإعلامية، الخ). ولكن هذه حالات قليلة من ناحية، ومن ناحية ثانية هناك تفكير داخل الاتحاد لإعادة الهيكلة على قاعدة الاختصاص (أي أن تكون القاعدة في تأسيس النقابات وتشكيلها الانتماء إلى سلك مهني) وليس الانتماء للمؤسسات. وستمكن هذه الهيكلة الجديدة من تشكيل جامعات مهنية تتمتع بهامش كبير من استقلالية القرار والمبادرة النقابية ولكنها تلتقي في أعلى مستوى داخل اتحاد له شكل كنفيدرالي.
5. إن التكامل بين عمل مختلف الهياكل والجمعيات لا يجب أن يكون مدخلا لخلط الأوراق وتداخل المهام. فالجمعيات المهنية تدافع عن المهنة ولا عن المهنيين. إذن يكفي من الخلط المقصود في أغلب الأحيان لكسب الوجاهة وادعاء التمثيلية ومزاحمة النقابات والنقابيين. الجمعيات المهنية مطالبة بتنظيم لقاءات ودورات تدريبية وبالتفكير في سبل تطوير المهنة وجعلها تواكب التطورات. أما المطالب المادية والاجتماعية فلها هياكلها وأطرها. وإذا كان هناك من تكامل ممكن فسيأتي تلقائيا ودون أن نلح عليه ونفتعله تعسفيا. قلنا الجمعية المهنية في دفاعها عن المهنة، راهي زادة تدافع عن المهنيين ياخي تحولت إلى نقابة ونسات اللي يلزمها تفكر في مواكبة تطورات المهنة وتعمل مثلا دليل مرجعي لمهن المعلومات Référentiel des métiers أو تنظم دورات تدريبية حول المواصفات الجديدة أو تكنولوجيا المعلومات أو تصدر مجلة مهنية، إلخ.
6. ما قلناه بشأن الجمعيات المهنية (الATDBD ولا الAGAT) يصح كذلك على جمعية قدماء المعهد العالي للتوثيق، لأن موضوع تشغيل المتخرجين الجدد يطرح مشكلا وطنيا، يتنزل في إطار اجتماعي وسياسي عام وليس في إطار قطاعي ومتخصص. أعني أنه مشكل يمس كل خريجي التعليم العالي وبالتالي، يحسن بأبنائنا المطالبين بحقهم في التشغيل أن يمارسوا هذا الحق في إطار ما يقوم به سائر خريجي التعليم العالي ضمن اتحادات المعطلين عن العمل من أصحاب الشهادات العليا. ولا أعتقد من المفيد لجمعية قدماء المعهد في شيء أن تعتبر نفسها ناطقا رسميا باسمهم ولا مسئولة عن مصيرهم. فهذا لما يحصل، يعني سيطرة الثانوي على الأساسي. ذلك أن جمعية القدماء يفترض أن تضم في صفوفها الذين يشتغلون والذين لا يشتغلون، الأجراء وأرباب العمل من أصحاب الشركات، اليسار واليمين، النقابي وغير النقابي، من يعمل في الاختصاص ومن لا يعمل في الاختصاص. قاسم مشترك واحد يجمع المنضوين تحت جمعية القدماء: أن يكونوا قد مروا بالمعهد أثناء دراستهم الجامعية (وهذا مبدأ عام لكل جمعيات القدماء).
من شعارات المرحلة
تونس، حرة فيها رجال، حوتة وخمسة وقرن غزال
آش بينا الله الله، آش بينا خمسة والخميس علينا الله الله
 مبروك علينا، هذي البداية ومازال مازال