lundi 5 décembre 2011

من المسؤول عن موت الطالب العربي الخميري؟

رأيته مرّتين أو ثلاث يرتدي سروال دجينس وحذاء رياضيا وتبّانا ضيقا من نوع البودي لباس الرياضيين المفضل والملاكمين منهم على وجه الخصوص لأنّه يكشف عن بنية الجسد وعضلاته المفتولة... نظراته ثاقبة وابتساماته تتحدّى أعتى الرجال وتشاكس الفتيات وحركاته متوثّبة... شاب يتّقد حيوية لا شيء فيه يوحي بانتمائه للتيار السلفي: لا لحية له، ولا جلباب أفغاني ولا رائحة مسك تفوح منه... ورغم أنّني انزعجت من سلوكه الذي بدا لي استفزازيا فإنّه، واللّه، تسلّل إلى قلبي حتى أنني رغبت في الحديث إليه لأفهم سبب وجوده مع تلك المجموعة المعتصمة بمكتب عميد كلّية الآداب بمنّوبة. لمست فيه شيئا من ذاتي وأنا المنحدر من وسط شعبي مثله. ذلك هو العربي الخميري طالب السنة أولى أنقليزية الذي أزهق روحه بطعنة سكين في صدره أصابت منه الوريد... عندما بلغني خبر الانتحار عبر وسائل الإعلام، حزنت لما وصل إليه شباب تونس خصوصا وأنّ الأمر يهم طالب علم يفترض في أفعاله على الأقل التكافؤ بين السبب والنتيجة... واستحضرت في ذاكرتي صور المعتصمين المتجلببين والملتحين واحدا واحدا متسائلا عمّن قد يكون المنتحر. ولكنني أبدا لم أفكّر فيه، في العربي الخميري الذي استفزّتني نظراته وسلوكه ولكنّني أحسست نحوه بالانتماء والتعاطف.
منذ اكتشفت صورته المنشورة صباح هذا الأحد بجريدة يومية وأنا مصاب بالذهول، حتى أنّه سيطر على الأحاديث التي تعودنا أن نؤثّث بها حصّة المشي اليومي أنا وزميلي طوال الساعة والنصف تقريبا. حدّثت زميلي عن العربي الخميري وبحت له بما يؤرّقني من سؤال عن المسؤول عمّا حدث. قلت لزميلي أنّني أميل إلى مشاطرة والد العربي الرّأي في ما صرّح به للجريدة من أنّ ابنه تعرّض لغسيل مخ وبأنّه يحمّل السلفيين مسؤولية موته. ولكنّ ذلك لم يشف غليلنا، واتّفقنا على تشعّب المسؤولية من النظام البائد بإفلاس خياراته التربوية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تأسّست على التّجهيل والتّفقير والتهميش وهو ما غذّى التطرّف والهروب إلى الأقصى يمينا ويسارا، وصولا إلى التساؤل عمّا إذا كانت لنا نحن الجامعيين مسؤولية ما ؟؟ فكيف لم ننتبه إلى أنّ الشباب المسطّح والمتروك لحاله يصبح طيّعا لغسل الدّماغ ومن ثمّة يتحوّل إلى قنابل موقوتة ومادّة سريعة الالتهاب؟ صحيح أنّ هذا ما جنته علينا خيارات مهننة التعليم العالي وتهميش الإنسانيات. ولكن علينا نحن الجامعيين ألاّ نرمي المنديل ونسعى بدلا عن ذلك إلى أن نسلّح شبابنا بالفكر النّقدي ونربّيه على صبر التفكير والاستقواء بالحجّة. ولن يمكننا النّجاح في ذلك بالأسلوب الأبوي الوعظي أو المتسلّط وإنّما من خلال كسب ثقة الطلبة ومصادقتهم بصدق. علينا أن نتجاوز دور المدرّس إلى دور الصّديق والرّفيق (دعونا نقول المرافق تجنّبا للفهم الخاطئ). ولنا في الفضاء الجامعي أطر كثيرة تسمح لنا بلعب هذا الدّور فضلا عن الحسّ الذّاتي والمبادرة الفردية. فأين نحن في الأنشطة الثقافية؟ هل ترانا نقترح على الطلبة محاضرات وعروضا فنية وسينمائية ؟ يحتاج الطلبة من ينصت إلى همومهم ليس بالضرورة لحلّ مشاكلهم ولكن على الأقل لإعطائهم شيئا من الحب والطمأنينة. قد يتعلّمون منّا قواعد الحجاج أثناء دردشة بالمشربة أو مناقشة شريط سينمائي أكثر ممّا يتعلّمونها في حصّة درس مسلّط عليها سيف الامتحان... بل قد يتعلّمون حتى من مثل هذه الاعتصامات والإضرابات وما يصحبها من نقاشات وجدل... فالجامعة ليست فقط منهلا للمعرفة والعلم ولكنّها إضافة إلى ذلك مدرسة للحياة بكلّ تفاصيلها، باعتبارها تصقل شخصية الطالب وتدرّبه على ممارسة المواطنة والفعل السياسي... لذلك يجب ألاّ نهوّل المضرّة من ضياع الدّروس بسبب الإضرابات، رغم أنّها حاصلة ما في ذلك شكّ. فقد تعوّض تلك المضرّة فوائد أخرى تتأتّى من ديناميكية الإضراب والاحتجاج... ويكفي أن نعرف أنّ سياسيي اليوم يمينا أو يسارا تكوّنوا على الخطابة والتحليل والحجاج والتفكير والمناورة في ساحات النضال الجامعي في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته. شيء ما يقول لي في سرّي بأنّني لو تحدّثت أكثر مع العربي الخميري لعلّه ما كان ليفعل ما فعل. وهاتف آخر يطرق خاطري بعنف أقوى داعيا الأساتذة الجامعيين إلى الاقتراب أكثر من الطلبة الآخرين حتى لو كانوا ملتحين ومتجلببين لمحاولة إنقاذهم من أن يعرفوا نفس المصير أو من أن يتحوّلوا إلى جلاّدين. ففي صفوف الشعب المضطهد، يكاد لا يكون هناك فرق بين الضحية والجلاّد.
جلال الرويسي
الكاتب العم لنقابة أساتذة التعليم العالي بمعهدي التوثيق والصحافة