dimanche 4 mars 2012

محمد عبد اللاّوي، المفرد المتعدّد

سئل غسان كنفاني مرة عن سبب قيادته السيارة في قلب بيروت بسرعة جنونية كما لو كان هاربا من مطاردة، فأجاب لاشيء ورائي ولكن أمامي عمر أريد اللحاق به. أمّا محمد عبد اللاوي الذي لا سيارة له، فقد كان يقود حياته بسرعة صاروخية. مضطرم بالأحلام ومزدحم بالمشاريع، كلما التقيته وجدته مستعجلا. فهو على سفر دائم، يكره السكينة والعادية وينتشي بالمفاجئ والخارق. يهرب من السهولة ويبهج للصعب. ما إن يربح تحديا حتى يرحل باحثا عن آخر. يفاجئك حيث لا تنتظره ويراوغك كلما ظننت أنك روّضته. قال لي مرة في ما يشبه الاعتذار عن تقصير لم يرتكبه "لا تلمني فأنت تعرف كم أنا مولع بتخييب الظنّ فِيّ". سألته مرة كيف سبقني إلى المقهى في قلب تونس وأنا الذي تركته منذ دقائق في الكرم، فأطلق ضحكته الساخرة السافرة ورد:" لدي نسخ مني منتشرة في المدينة، هاهاها أنا سلطان المدينة". كأنما كان يعيش عدة حيوات في نفس اللحظة. وبالفعل، كان محمد عبد اللاوي متعددا في واحد فهو المكتبي والإسكافي والقصاص والنقابي وممثل مكتبيي تونس في الاتحاد العربي للمكتبات والكاتب العام للجمعية التونسية للمكتبيين والموثقين والناشط السياسي والحقوقي والعضو الحركي في الجامعة التونسية لنوادي السينما والصعلوك النبيل. كان قادرا على الجمع بنجاح بين كل هذه الصفات لأن الحياة مركبة وليست خطيّة كما كان يؤكد وربما أيضا لأنه كان واعيا بقصر عمره.
الفن والخيال عند محمد عبد اللاوي نسغ حياته. عاش حياته كرواية أو فيلم طويل من تأليفه وإخراجه وبطولته. عاش ومات كشخصية سينمائية أو أدبية تراجيكوميدية tragicomique. انتبه إلى ذلك جلول عزونة في تأبينه عندما بيّن كيف مات محمد منتحرا بنفس الطريقة التي مات بها أحد أبطال قصصه. فكأنما كان وهو يكتب قصته تلك يتدرب على موته ويحذرنا بكونه سيفعلها. ولكن لا أحد منا انتبه إلى ذلك. هو عصفور سطح في نهج سيدي زهمول بحي الصباغين أين سكن سنوات كان يتنقل فيها ليلا عبر السطوح لزيارة والدته التي سكنت نفس الحي أو لشراء قارورة خمر من بائعة هوى كانت تربطه بها علاقة احترام كبرى. كنت أندهش لطرافة حياته كلما زرته في بيته ذاك، أين كان يتربع أمام "مْعَدْ الصْبابطي" لصناعة البلغة التي حفظها عن "عم الهاشمي" ودبوزة الكوديا مركوزة إلى جانبه. قال لي معتزا ذات مرة ونحن نطل على نهج سيدي زهمول من السطوح : "هنا، في هذا النهج وفي ذلك الصَّباط المقابل عاش البشير الخريف." واستطرد: "لا أفهم كيف تحبّون الشعب وتهربون منه. هنا في حي الصباغين وتربة الباي أحس كما لو كنت في خان الخليلي أو زقاق المدق. هذا ما تعلمته من سكن البشير خريف في نهج سيدي زهمول بالصباغين. البشير خريف هو نجيب محفوظ تونس". كان محمد عبد اللاوي تونسيا حتى النخاع، يحدثك عن علي الدوعاجي كما لو كان صديق طفولته وشبابه. أكاد أجزم أنّ فريد بوغدير استوحى شخصية صليح الصبابطي في شريطه "حلفاوين" من حياة محمّد عبد اللاوي الذي كان يتقن صنعة والده "عم الهاشمي". كان محمد يعامل والده كصديق ويناديه "عم الهاشمي" كسائر أولاد الحومة. يقرضه الأموال ويقترض منه ويدعوه إلى العشاء في بيته وينادمه ويتخاصم معه بندّية و"رجولية" تغمر عم الهاشمي فخرا. كان لذائذيا، أبيقوريا، ماجنا، فنّانا، عابثا دونما عبثية... إذا أحبّ شخصية أدبية أو سينمائية انطبع بشيء منها. لمّا يرقص يتمثّل زوربا، وعندما يشرب يستدعي أبا نواس، وكان يستحضر الماركيز دو ساد في استمالة النساء... تلك كانت طريقته في نشر عدوى حب السينما والأدب بين أصدقائه وزملائه ومريديه. فالحياة أصلا لم تكن ممكنة خارج مدار الفن والأدب والفكر...  
عاش محمد عبد اللاوي كما كان يفكر: يفعل ما يقول ويقول ما يفعل. منحاز علانية وبلا قيد أو شرط للفقراء. يفضّل منادمة صعاليك مقبرة الزلاّج على عشاء بمطعم فاخر يغلب عليه التصنّع والرّياء. لا يكلّ من الحديث عن الحفاة العراة les sans culottes الذين دكّوا قلعة لاباستيل la bastille وحملوا الثورة الفرنسية على أكتافهم. ولكنّ البرجوازية نجحت في أن تسرق منهم ثورتهم لأنّها، على عكس الحفاة العراة، كانت حاملة لفكر ورؤية بينما ما كان للفقراء سوى أجسادهم العارية والحافية يقدمونها قربانا للثورة. لذلك آمن بضرورة تنوير الفقراء وتثقيف أبنائهم. فسكن بينهم وعمل في مكتبات أحيائهم وانتقل إلى قراهم. وافتك له بينهم مكانا دفع ثمنه غاليا من "براكاجات ليلية" وتعنيف وكدمات زرقاء متكررة على العيون والشفاه. آمن بأن من حق الفقراء أن يقرؤوا الكتب ويشاهدوا الأفلام. فاختار طواعية أن يعمل في مكتبات الأحياء الشعبية والقرى مثل الكرم الغربي وحي التضامن وسليانة. ووصل به حب الفقراء إلى توضيب مكتبة متنقلة على عربة لتوزيع الخبز مدفوعة بدراجة هوائية وراح ينتصب أمام باب المدرسة بجوار بائع الحلوى ضاربا موعدا لأطفال الفقراء عند الاستراحة لتوزيع القصص عليهم. ولم يخب ظنه فيهم فقد أعرضوا عن بائع الحلوى والتفوا حوله. 

وعند إدراك زميله عم حمادي حارس المكتبة ومنظفها سن التقاعد، نظّم له محمّد حفل تكريم بسيط في ظاهره، عميق في معانيه. حفل تولّى خلاله عم حمّادي كتابة اسمه ولقبه بخط جميل على سبورة جاء بها محمد خصيصا للغرض على أكتافه من المدرسة المجاورة. كان تعليم عم حمّادي القراءة والكتابة هدية محمّد لزميله حتى لا يقال له "مت قاعد". ولم يكن محمد يستطيع أن يستبدل عيون الفقراء التي سكنت محجريه بعيون برجوازية حتّى يرضى المتنفّذون وأصحاب القرار على رؤيته للسينما. كان يرى السينما بعيون الفقراء بما هي نافذة للثقافة والحلم والحرية والتعبير. لذلك وقف وقفته الشجاعة ليلة اختتام دورة سنة2000  من أيام قرطاج السينمائية بقاعة الكوليزي. وقف مدافعا عن شريط "علي زاوا" للمغربي نبيل عيوش، الشريط الذي ظلمته لجنة التحكيم وتجاهلته فظلمت بذلك المهرجان وداست تاريخه لولا أن محمدا حرّك جمهور قاعة الكوليزي في سهرة اختتام المهرجان بوقفته تلك ليدافع عن الفيلم وعن المهرجان. وعدا ذلك، كانت فوضويته الظاهرة تخفي انضباطا ذاتيا لكلّ ما يقتنع به. انضباط يندر أن تجده عند أبناء جيله ممّن تربّوا على ثقافة التساهل مع الذات. ومن علامات ذلك حرصه على خلاص ديونه حالما يقبض راتبه، وحرصه على تجديد اشتراكه في المكتبة العمومية بنهج يوغوسلافيا وإرجاع الكتب المستعارة في مواعيدها. وكذلك قبوله بتحمّل عبء أمانة مال الجامعة التونسية لنوادي السينما من 1996 إلى 1998 وما أصعبها من مهمة لمن لم يتصالح يوما مع المال.
أفقت يوم 30 جويلية 2004 الذي يصادف عيد ميلادي متأخّرا وثملا. وكان معي الصديق رضا الشمك الذي قضى ليلته عندي. وفيما كنّا نتأهب لركوب السيارة رنّ منبّة الإرساليات بهاتفي الجوّال، فشاكسني رضا الشمك "ها قد وصلتك أوّل هدايا عيد ميلادك" وكانت من زوجة محمّد هذا نصها « Mohamed Abdellaoui n’est plus ».
جلال الرويسي