dimanche 18 mars 2012

موقعة العلم، وولادة بطلة

يحصل أن تتّفق جماعة بشرية (شعب أو قبيلة أو فئة عمرية كالشباب مثلا أو مهنية كالعمّال مثلا أو جمهور فريق رياضي، الخ.) على هدف تتمنّى تحقيقه ولكنّها تظل عاجزة على ذلك، سواء حاولت أم لم تحاول، حتّى يأتي شخص يتصدّى للمهمّة بشجاعة متحمّلا عبء الجماعة بمفرده ومعرّضا نفسه للخطر. ولمّا يحقّق ما كان في عيون الجماعة صعب المنال، يحوز إكبارها ويغدو في نظرها رمزا يجسّد قيم الشجاعة والتضحية والنجاح. هكذا يولد البطل بعفوية وإجماع تعجز على تحقيقه المفاوضات والتوافقات بل والانتخابات. بعد ذلك يأتي دور الإعلام الذّي يتولّى إشهار ذلك الفعل اللافت مضاعفا من وزنه الرّمزي كلّما انتشر أكثر.
ينطبق هذا التوصيف على ما قامت به خولة الرّشيدي طالبة قسم الفرنسية بكلية آداب منّوبة في ما صار يعرف بواقعة العلم التونسي. نقول هذا لأنّ حركة خولة غير المحسوبة (وفي ذلك قوّة شحنتها الرّمزية) جاءت لتصالح الطالب التونسي مع نفسه وتعيد إليه ثقته بنفسه واعتزازه بصفته كطالب وهو الذي وجد نفسه في مأزق، مسحوقا كالحشرة منذ أكثر من ثلاثة أشهر عندما اندلعت أزمة النقاب بالجامعة التونسية. فمن كان يجرؤ على المساس ب"سادة" الجامعة الجدد ؟؟ هؤلاء الذين يقيمون في مبنى العمادة ويخلعون الأبواب ويحوّلون وظائف قاعات الدرس ويغيّرون الأقفال ويصمّون الأسماع بمضخمات الصوت المنصوبة في ساحة الكلية ويكفّرون العميد ويهينون الأساتذة ويستقوون بالغرباء عن الجامعة لبسط نفوذهم وتأديب من يحتجّ على أفعالهم ويكذّبون من شاءوا في التلفزات والإذاعات ولا يعيرون بالا لوساطة الوزراء ونوّاب المجلس التأسيسي وينشدون في وجه الشرطة التي تخلي الكلية منهم "نعم سنعود ونقتلكم".
ظلّت الأمور تحتقن على تلك الشاكلة حتى تكثّفت في لحظة عالية الرّمزية تظافرت فيها كلّ العوامل لتهدينا تونس الولاّدة بطلة جديدة أعادت لنا شيئا من عزّة نفسنا المهدورة. كان يجب أن يتمّ الأمر على تلك الصورة وفي تلك الظروف بالذّات من مكان وتاريخ وركحية  scénographie وفاعلينacteurs  حتّى يكتسب رمزيته ويخلق الديناميكية التي نعرف.
دارت وقائع الحادثة في إطار أشبه ما يكون بركح مسرحي، وذلك على سطح مكتب الاستقبال بالكلية، الذي تحوّل بالمناسبة إلى خشبة مسرح. ينطلق المشهد بظهور شخص كثيف اللحية يرتدي جلبابا داكن اللّون وعلى رأسه طاقية سوداء. يتقدّم الشخص باتجاه العلم التونسي المرفرف ماسكا قماشة سوداء ثمّ يشرع في لفّ العلم ليرفع بدلا عنه القماشة السوداء التي نقرأ عليها عبارة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". وفي غمرة التهليل والتكبير من ناحية، وحالة الذهول والشلل التّي تلبّست بالبعض من ناحية أخرى، تنطلق خولة باتجاه الجدار تتسلقه برشاقة وعزم. نراها تشير إلى المعتدي على العلم بحزم أن تنحّى ثم تتوجه نحو العمود الحامل للقماشة لتصحّح الوضع ولكنّ المعتدي يسحبها بعنف فيلقي بها أرضا وهو يمسك بعصا أو قضيب حديدي. تقوم خولة، وبنفس الإصرار تعيد مواجهته، حتى يهبّ بعض الفتيان الحاضرين لنصرتها.
وبخصوص هذه الحادثة، ذهبت كثير من التحاليل إلى أنّه عندما تعرّض علم تونس بلد حرية المرأة للإهانة هبّت طالبة قاعدية كلّ ما فيها يدلّ على حداثتها (لباسها، تسريحة شعرها، رشاقتها في تسلّق الجدار، ثباتها وثقة حركتها في مواجهة السلفي المعتدي على العلم، شعبتها الدراسية، الخ.) للدفاع عليه. حصل ذلك في كلية تدرّس "الآداب والفنون والإنسانيات" عشية اليوم العالمي للمرأة ليؤكّد ما للإنسانيات وما للمرأة من وزن في التصدّي للفكر الماضوي ببلادنا وفي تأكيد وطنية شباب تونس، وبالذات طالباتها، وحداثته.
لكن، أهمّ ما يجب إبرازه والتأكيد عليه هو، برأيي، خروج ما يسمّى بالطلبة القاعديين عن صمتهم وسلبيتهم. فقد غدت هذه الفئة من الطلبة، وهي تمثّل الأغلبية، رهينة بيد السلفيين تشهد حقها في الدراسة معطّلا دون أن يستطيع أحد حمايته، لا هياكل بيداغوجية ولا إدارة ولا نقابات ولا سلطة سياسية ولا قضاء ولا حتّى مجلس تأسيسي. هكذا فقد الطلبة القاعديون ثقتهم في الجميع وفي أنفسهم حتى خرجت منهم فتاة "نكرة" لا أحد يعرفها أو سمع عنها في عالم السياسة والنقابة. انبجست خولة من رحم الحاضرين المسربلين بعجزهم المخجل يتفرّجون على من كان بصدد إلغاء الوطن عبر إنزال رايته وتعويضها براية تحيل على مشروع جهادي ديني سلفي. وسرعان ما خلقت حركة خولة زخما نوعيا في الجامعة جعل الجميع يلهث وراء استثماره والرّكوب عليه. لكنّ خولة انسحبت في هدوء ودون جلبة لتهضم ما حصل بعيدا عن تجاذبات المنابر السياسية والإعلامية. وظل هاتفها الجوّال لا يردّ ليومين أو ثلاثة، حتى أطلّت علينا شامخة يوشّح صدرها وسام الرّئيس.
ثمّ توالت التكريمات التي تتجاوز في مغزاها شخص خولة لتخلق مناخا جديدا من الثقة بالنفس لدى الطلبة القاعديين الذين أخذوا بزمام الفعل والمبادرة وآمنوا أنّ مصيرهم بأيديهم فشاركوا بكثافة في انتخابات المجالس العلمية كمترشحين وناخبين وحازوا نتائج لافتة. لقد نجحت خولة حيث فشل الجميع. نجحت في تحريك سواكن الطلبة القاعديين وإخراجهم من صمتهم. وهو ما عجز عن إنجازه الخطباء من السياسيين والنقابيين. نجحت لأنّها تدخّلت في اللحظة المناسبة وبالشكل المناسب ودون تخطيط أو تشاور مع أحد. نجحت لأنّها استجابت بصدق لنداء داخلي كان مكتوما في قلب كل من كان شاهدا على الجريمة.  
وقد أكّدت وقائع حفل تكريم كلية الآداب والفنون والإنسانيات لابنتها خولة يوم الإربعاء 14 مارس 2012 هذا المناخ الجديد المتميّز بعودة الرّوح والثقة لدى الطالب القاعدي... غصّ مدرج ابن خلدون يومها بطلبة مبتهجين عفويين معتزّين بخولتهم التي تشبههم ولا تشبه أي زعيم. وعوض الشعارات السياسية التي عادة ما تطغى في مثل هذه المناسبات علت الزغاريد من حناجر الطالبات كتعبيرة ثقافية تونسية مميّزة وذلك تأكيدا على أنّ هذا الموكب هو في عمقه تكريم للطالبة التونسية القاعدية المعتزّة بتونسيتها وما تعنيه من شخصية مميّزة حضاريا وثقافيا واجتماعيا. كنت ترى خولة هناك بهامتها التي ترتفع على الجميع مرتبكة خجولة تداري اضطرابها وتأثرها واعتزازها وتواضعها. لا تعرف إن كان عليها أن تحبس الدّمع أم تبتسم، وبأي مقدار؟ أم تحيّي الحاضرين، وبأي حركة؟ تقرأ في عيونها التّساؤل، وقد فاجأها كلّ هذا المجد، إن كانت فعلا تستحق كل هذا... كان أساتذتها بقسم الفرنسية حريصين على الظهور في المنصّة امتنانا منهم لخولة التي صحّحت ما يروّج على شعبة الفرنسية من كونها اختصاصا تغريبيا يزرع التفسّخ والانبتات الفكري والحضاري... حضر أيضا العميد عبد المجيد الشرفي أستاذ الحضارة العربية والإسلامية ليهدي خولة أعماله الكاملة ويتعفّف عن إلقاء كلمة احتراما منه للمحتفى بها وحرصا على عدم تحويل الأضواء عنها. تمنّينا لو جاءت كلمة عميد الكلية الحالي مقتضبة، لأنّ بلاغة اللحظة لم تكن تحتمل الإسراف في شرح خلفيات الحادثة واستعراض مسلسل الأحداث ومغزى التكريم. وعلى حذو العميد سار ممثّلا النقابة الوطنية للأساتذة والاتحاد العام لطلبة تونس. لكنّ خولة كانت مرّة أخرى بليغة بعفويتها واقتضابها حيث اكتفت بأن أهدت وسام الرئاسة للشهداء وللمدافعين عن علم الوطن ولأسرة الكلية. 
لا خوف على تونس ما دام أكثر من نصف طلبتها من النساء اللواتي فيهن أكثر من خولة واحدة...
            




                 جلال الرويسي