mercredi 20 juin 2012

المهرجانات الصيفية بين العزف والعزوف


يثير الإعلان عن برمجة المهرجانات الصيفية كلّ سنة احتجاجات كثيرة على ما يعتبره أصحابها إقصاء لهم. ولم يزد 14 جانفي هذه الظاهرة إلاّ تضخّما. فبعدما تركّزت الاحتجاجات في صائفة 2011 على إشكالية "من هو الأحقّ بعرض افتتاح أوّل دورة لقرطاج ما بعد بن علي؟" (والأحقية في عرف المحتجّين رمزية ومادية)، هاهم المحتجّون يثيرون هذه السّنة إشكالية نصيب الموسيقيين التونسيين من برامج المهرجانات. ورغم ما يميّز الوسط الموسيقي التونسي من خصائص هيكلية تجعل متنفّذي الأمس  يواصلون التربّع على عرش القرار  (والجواب) الموسيقي اليوم، ورغم ما ورثه هذا الوسط من انتشار لثقافة الولاء للسّلطان خوفا من ضياع المنافع، فإنّ البعض من راسخي القدم في التزلّف والّطاعة سرعان ما انفتحت شهيّتهم على الفعل الاحتجاجي وتحوّلوا بقدرة قادر إلى نقابيين أشاوس. إنّها حاسّة الشم المتطوّرة لديهم تجعلهم يستبقون الغير لافتكاك مواقع الفعل. والنقابة في مناخ الانفلات الثوري وضعف الدّولة من أهمّ هذه المواقع. هذا لا ينفي وجود نخبة من الفنّانين الخالصين المخلصين لفنّهم. لكنّ الكثير من هذه القلّة أدرك النوايا الانتهازية للمتنافسين على الزّعامة النقابية، فلاذ بفنّه وتعفّف عن خوض معركة يتبادل فيها الجنود المواقع من خندق إلى الخندق المضادّ حسب مؤشّر المصالح. وأيّا كانت الحال والنوايا، فاللاّفت للنظر هذه السّنة هو التفاف كلّ النقابات الموسيقية رغم الاختلافات التي تشقها حول موقف نقابي موحّد يتلخّص في احتجاجها على ما تعتبره تهميشا للموسيقيين التونسيين وإقصاء لهم من المهرجانات الصيفية التي تمثّل بالنّسبة إليهم سوق شغل حيوية. وأعلنت بناء على ذلك مقاطعتها لجميع المهرجانات. وقد كان لنقابة المهن الموسيقية دور بارز في تعبئة الموسيقيين الذين مسّ التهميش والإقصاء قوت عيالهم. وممّا أجّج ردّ فعل الموسيقيين التونسيين نقض السيد وزير الثقافة لتعهّداته بتقديم جثّته قربانا لتطهير مهرجان قرطاج من مغنيات الصنف العاشر القادمات من كاباريهات بيروت. إذ بنفس القدر من الحماسة والرّطانة الخطابية التي أطلق بها الوزير تعهّداته، رأيناه يبرّر سحبها عندما ردّ على أسئلة الصحفيين في تشنّج مسيء لما يفترضه موقعه كوزير من حكمة في القول ورصانة في الموقف. وإذا ما ربطنا ذلك بما ارتكبه السيّد الوزير من أخطاء "قاتلة" عند تفاعله مع واقعة معرض ربيع الفنون بقصر العبدليّة بالمرسى، فإنّنا نفهم توجّس الموسيقيين ممّا يمكن أن تطبخه لهم وزارة كهذه في حكومة تقودها حركة النهضة. وها قد بدأنا نشهد بعض المرتزقة يخرجون علينا بأغان موضوعة على مقاس الحكّام الجدد استرضاء لهم وتمسّحا على أعتابهم السخيّة. نعم، هناك كثير من الموسيقيين صاروا يخشون أن تقطع أرزاقهم إذا لم يتحوّلوا إلى فرق سلامية. فأين سيعمل هؤلاء المساكين إذا أغلقت المطاعم والنزل وصارت فرق السلامية دون سواها تنشّط حفلات الأعراس والمنوعات التلفزية والمهرجانات؟
وبالرّجوع إلى إشكالية الموقف النقابي من مهرجانات هذا الموسم، نرى أنّ وجاهة هذا الموقف تستند إلى اعتبارات ظرفية أكثر ممّا تتأسّس على اعتبارات مبدئية. فتونس الثملة بالثورة، لم تصح بعد من سكرتها الثورية. وهاهي تترنّح بين مظاهر الانفلات الشعبي والقرارات الرّسمية الشعبوية. انظر كيف صرنا نسوّغ للمحاصصة الجهوية في التشغيل تحت غطاء التنمية الجهوية العادلة (مثلا أولوية أبناء الحوض المنجمي في التشغيل بشركة فسفاط قفصة أو أولوية أبناء تطاوين في الانتداب بحقول التنقيب عن البترول) غير واعين بأنّنا نضرب هكذا في الصميم مبدأ جمهوريا أساسيا هو تساوي المواطنين أمام الدّولة. وانظر كذلك كيف هلّلنا للإجراءات الاستثنائية في انتدابات الوظيفة العمومية بعنوان سنة 2011 حيث أعطينا الأولوية للأكبر سنّا وللأقدم تخرّجا بدلا عن قاعدة  الأولوية للأكفأ معرفة باعتماد التناظر بالاختبارات أو بالشهائد. أمام تفشّي ثقافة المحاصصة الجهوية والقبلية والاجتماعية على حساب الجدارة المعرفية والقيمة الفنية، لا غرابة والحالة تلك أن تتعالى أصوات العاملين في الحقل الموسيقي مطالبة بأولوية التونسيين على الأجانب خصوصا لمّا لا يكون للعروض الأجنبية أي قيمة مضافة على المستوى الفنّي أو الثقافي أو إذا لم تكن أفضل ممّا يقترحه الموسيقيون التونسيون. هكذا تتحوّل المهرجانات الصيفية من مناسبات للارتقاء بالذّوق والانفتاح على ثقافات العالم إلى "ميسرة" أو موسم حصاد، تماما كموسم الأعراس.
ولكن من الضروري التنسيب من وجاهة هكذا موقف. لأنّ المهرجانات، وإن كانت قد تحوّلت في عهد بن علي إلى سوق تمنح فيها الصفقات على قدر الولاء، فالمنطق يدعونا إلى الكفّ عن اعتبارها مجرّد سوق شغل موسمية يبيع خلالها "العوّادة للشعب اللّي يحب اللعب سهرات ترفيهية راقصة في مسارح الهواء الطّلق". إنّه من استحقاقات هذه المرحلة من تاريخ شعبنا وبلادنا أن نجعل من المهرجانات تظاهرات ثقافية تستند إلى سياسات عمومية تتحمّل من خلالها الدّولة مسؤولياتها في الارتفاع بالذوق العام ونشر الثقافة والفن الرّاقيين وتأكيد انفتاح البلاد على ثقافات وفنون محيطها المتوسطي والإفريقي والعربي والإسلامي والكوني. وإذا كان ممّا لا يحتمل الجدل أنّ للثقافة والفن بعد اقتصادي هامّ، فإنّه ممّا لا يحتمل الشكّ أنّ الثقافة والفنّ ليسا مجرّد صناعة واقتصاد. ولن يفيد التعلّل بحق العازفين والمغنّين في الشغل، وهو ما لا ينكره عليهم أحد، ولا التعلّل بذوق الجمهور وإقباله على المعلّبات الموسيقية لحصر الثقافة والفنّ في قالب السوق التي تحكمها قواعد العرض والطلب. هذا عن المهرجانات الثقافية وتأثيث برامجها. أمّا عن الفنّ فمن أسسه أنّه ليس حرفة تتقن بالتعلّم ولا هو مهارة يقع تطويرها وتثبيتها بالممارسة والتطبيق. بل الفنّ رؤية جمالية للوجود وخلق متجدّد وتجاوز مستمرّ للواقع بتغيير خصائصه وإعادة توزيع للأدوار بين مكوّناته. فكما لا يكفي إتقان الرّسم وخلط الألوان كي يصير الدّهّان رسّاما وكما لا يكفي لصانع الجرار تشكيل الأواني الطينية كي يعلن نفسه نحّاتا، فإنّه لا يكفي إتقان العزف حتّى يصير الآلاتي فنّانا موسيقيا.
ولن يتسنّى فصل المقال في ما بين العوّادة والفن من اتصال، إلاّ متى اعترفنا بفضل ذلك الصرّار الذي يساعدنا نحن النّمل على العمل والحياة بعزفه وأغانيه. وذلك معناه أن نؤمّن لمن يحترف الموسيقى ويكسب منها قوته وخبز عياله مواطن الشغل القارّة في مجالات تعليم العزف وتأطير الفرق والنوادي وتنشيط حفلات الأعراس والمطاعم والنّزل والساحات وتأثيث المنوّعات التلفزية وتسجيل الأغاني والمعزوفات. وهي كلّها قطاعات مهنية تحتاج التنظيم والحماية لما تعانيه من فوضى عارمة. ومن حق نقابة المهن الموسيقية أن تطالب بإشراكها في إصلاح ملفّات الاحتراف الفنّي والتكوين الموسيقي ودبلوم الموسيقى العربية وحقوق البث الإذاعي والتلفزي ومتعهّدي الحفلات وشركات الإنتاج وستوديوهات التسجيل والجوائز الموسيقية وسياسة الدّعم، الخ. عندما نعالج هذه الملفات بإشراك من يمثّل أصحاب الشأن، وعندها فقط، يمكن أن ندافع عن فكرة تخصيص المهرجانات للفنّ الرّاقي حتّى وإن لم يكن شعبيا وللانفتاح على ثقافات الشعوب الأخرى وفنونها. هذا مع التّأكيد على واجب الدّولة في التعريف بفننا الراقي داخليا وخارجيا من خلال الحث على برمجته في المهرجانات التونسية والأجنبية كذلك. ولسنا نأتي بأيّ جديد عندما نعرض هذا الرّأي. فالحكم على نجاح الثقافة والفن لا يستقيم بمعايير العرض والطلب أو بمستوى الربح والخسارة المادّية. فكلّ الدّول لمّا تستثمر في الفن والثقافة تعلم أنّ الرّبح سيتحقّق من خلال النهوض بالإنسان وبعقله ولا بتحقيق المداخيل المباشرة في شباك التذاكر. لذلك فكما تمارس الدّولة التعويض في أسعار المواد الأساسية، عليها ألاّ تتردّد في ممارسته لفائدة العروض الرّاقية التي لا يقوى الفقير على اقتناء تذاكرها دون تعويض. هذا فضلا عن أنّ اقتصاديات المهرجانات تقاس باعتماد مؤشر التنشيط الاقتصادي للمحيط بما يشمله من سياحة ومطاعم ونقل وترفيه (impact économique sur l’environnement, effet induit, coefficient multiplicateur). وهذا يحيلنا إلى فلسفة المهرجانات وتسييرها. فكم اندهشنا لعدم مراجعة سياسة المهرجانات في وزارتي "باش شاوش" و"المبروك" والحال أنّ البلاد لا تعدم كفاءات ثقافية أثبتت حصافة رأيها في هذا المجال. فلدينا في تونس عديد الكفاءات التي أثبتت سعة اطلاعها ومواكبتها للمنتجات الفنية والثقافية في تونس وخارجها ورفعة ذوقها عند الاختيار وبراعتها في البرمجة والتسيير فأمتعتنا ببرمجة ثقافية وفنية راقية في مختلف دورات مهرجان المدينة أو في سنوات الزمن الجميل أيام كانت مسارح قرطاج والحمّامات ودقة محجّة فنّاني العالم قاطبة. ولدينا أيضا كفاءات شابة لا تنتظر إلاّ فرصتها للمساهمة في ترميم الوطن ثقافيا. ويكفي أن نذكر منها على سبيل المثال مراد الصقلي صاحب المشروع المتكامل والطموح لتنظيم مهرجان قرطاج وتحويله إلى مؤسّسة مستقلّة لها إدارة قارّة ومقرّ نهائي وموارد تسمح لها بالعمل على مدار السنة تخطيطا وإنتاجا وانتقاء وتوثيقا. لكنّ المشروع أجهض أسابيع قليلة بعد إعلانه في ربيع 2010.
لخّص رضا الشمك المشهد في جملة لا يعرف سرّ عمقها إلاّ هو لمّا قال "أعلن اليوم عن تكوين نقابة للعازفين والعازفات"، حيث عبّر من خلال اللعب على ثنائية العزف والعزوف على تمزّق الموسيقي بين تمسّكه بهويته الفنية كعازف على الآلة وبالموقف النقابي كعازف عن المشاركة في مهرجانات هذه السنة.

جلال الرّويسي - جامعة منّوبة