lundi 30 juillet 2012

الولايا العازفات

لم أستطع إلى اليوم أن أفهم الحكمة من تأسيس فرق موسيقية نسائية... في زمن المخلوع، كانت الفكرة تسوّق على أساس أنّها تجسيد لما وصلته المرأة من تحرّر ونضج جعلاها ندّا للرّجل في جميع الميادين... فعوض أن يقتصر وجود المرأة في الفرق الموسيقية على عازفة يتيمة هي ديكور أكثر منه شيء آخر، هاهي المرأة تشكّل فرقة بحالها بدءا بالعازفات من إيقاعيات ونفخيات ووتريات ومفتاحيات وصولا إلى قائدة الفرقة مرورا بالغناء الذي غالبا ما يكون بشكل جماعي على طبقة صوتية وسطى لا ترهق ولا تحرج أحدا وتجنّب النشازات...
كان هذا النوع من التكسّب الموسيقي يغمرني بالغيض لما يرشح منه من علامات التمسّح على أعتاب السلطة والامتهان لوظيفة الموسيقي في المجتمع ولذات المرأة والتسطيح الموسيقي في طريقة العزف والآداء والتوظيف السياسي والتحنيط الفولكلوري...
مجموعة من الولايا لابسات فوطات وبلايز معصّبات الجبين أو واضعات على رؤوسهنّ كبّوس عدس ومتربّعات على مساند مطرّزة أمام نافورة ماء منثور حولها ورد وتحيط بها شموع وستائر مخملية...
قائدة الفرقة تقطع الأنفاس رافعة يدها إيذانا بقرب إانطلاق العزف.. وهاهي تنزل يدها بحركة حاسمة فتأتي الدّم على الدربوكة نيّئة باردة غير صارمة كما تريد أن توهم به إشارة يد باعثة الفرقة... وها هي الباعثة "تتهز وتتحط كالبطّة" متصنّعة التشنّج والتقلّص والتمدّد وإمالة الرقبة دون أن نلمس لكل حركاتها صدى في أداء العازفات النائمات... كورال ينشد كمجموعة غنّايات في عشويات للاّ جنينة زوجة لمين باي في قصر باردو ولاّ المرسى... على اليمين طرارجية لا تعرف كيف تلمّ أصابعها حتى تعطي كثافة صوتية للدمّ تاك وبجانبها عازفة قانون مطأطاة الرّأس كمن يبحث عن إبرة في كوم من التبن مصدرة نقنقات قانون يغرّد خارج السّرب ونثار كمنجات قليلة تموء تحت سياط ينزل بعضها عندما يرتفع بعضها الآخر وعازفة ناي تخشى أن تجرح السامعين بنشازاتها فتتظاهر بالنفخ محرّكة أصابعها وهي لا تعزف أصلا وعلى اليسار امرأة تغادر الأربعين بكامل مشمشها تستند على كونترباص كوليّة مهضومة الجانب تتظلّم على باب قاضي مستندة على أحد أعمدة مجلس القضاء...
هذا المنظر بما فيه من بؤس، كان من مفاخر المخلوع، ينشد من خلاله التشبّه بهارون الرّشيد أو بأمراء الأندلس في سراياهم وقصورهم بما تضمّه من حريم وجواري ومغنيات... لذلك كان يحرص على استدعاء هذه الفرق عند استقباله لضيوف أجانب أو عند سفره في زيارات رسمية... وهو يظنّ أنّه يسوّق لصورة حديثة عن تونس...
والسّؤال الذي يؤرّقني هو ما الدّاعي إلى هذا الفصل بين الرجال والنساء في ممارسة الموسيقى؟؟ ما المانع أن تضمّ الفرق الموسيقية عازفات وعازفين؟ الأمر لا يخرج من أحد احتمالين: إمّا تورية عن ضعف في المستوى الموسيقي للمنتميات إلى هذه الفرق النسوية والدّليل أنّ العازفات البارعات موجودات جنبا إلى جنب مع العازفين الرّجال... أو موقف رجعي من المرأة وتصوّر فولكلوري متخلّف يعيد إحياء صورة الجواري...
لمّا خلع الدكتاتور عن عرشه، ظننت الأمر قد انتهى والكابوس قد انزاح. لكنّني فوجئت في مهرجانات هذه الصائفة بذات المنظر مع تعديل طفيف ولكنّه عميق المغزى يتمثّل في ارتداء الدّرباكة لخمار كناية على نسائم حرّية الملبس وحقّ الاختلاف التي تهبّ على البلاد والعباد... لكنّ المنطق السّليم يقتضي مّمن "تستر" وجهها أن تستر أيضا صوتها...
هكذا، يدفع الاستلاب والانتهازية الناس إلى إعادة إنتاج نفس المضامين واستدامة وجودها... والضحية في كل الحالات الفنّ والمرأة...